lundi 27 août 2012

الألمان عنصريون ؟




هل الألمان عنصريون؟





كُشف مؤخراً عن خلية ارهابية ارتكبت سلسلة جرائم ضد الأجانب 

تثار الآن أسئلة حول حجم ظاهرة العنصرية في ألمانيا. الدراسات الحديثة تشير إلى تراجع هذه الظاهرة بشكل ملحوظ، لكن البعض يطالب بعدم التسرع في تقييم نتائج هذه الاستطلاعات بإيجابية والنظر إلى الوجه الآخر من العملة.

عندما أجرى معهد "ألنس باخر لاستطلاع الرأي عام 1984 دراسة لمعرفة رأي المواطنين في ألمانيا الغربية حول إقامة الأجانب في بلادهم، أكد 79 % منهم أن عدد الأجانب المقيمين في بلادهم أكثر مما ينبغي. وبعد مرور 25 عاماً قام المعهد بإجراء مسح آخر في ألمانيا الموحدة، أظهرت نتائجه أن 53 % فقط يرون أن عدد الأجانب المقيمين في بلادهم أكثر مما ينبغي. المثير في الأمر أن عدد الأجانب قد شهد ارتفاعا في المناطق، التي أجريت فيها الدراسة من حوالي 7 % إلى ما يقارب 10 %.
التناقض بين نتائج الدراسة والواقع الفعلي يعود لأسباب تتعلق بالوضع الاقتصادي وبالتطورات المجتمعية وبالعوامل النفسية والاجتماعية المرتبطة بالتعصب الفكري والسلوكي، كما يوضح المحللون. 
التقلبات الاقتصادية والتقلبات في مزاجية الألمان



الشرطة تقتاد المرأة التي سلمت نفسها بعد مقتل العنصرين الآخرين من عصابة اليمين

جرائم قتل على مدى أكثر من 10 سنوات أغلب ضحاياها من الأتراك، عمليات سطو مسلح طالت 14 بنكا في عموم ألمانيا، ثم تنسف قنبلة مجهولة بيتا ضم القتلة ليعثر فيما بعد على اثنين منهم وقد انتحرا برصاصة في الرأس واحرقا بيتهما المؤقت، أما شريكتهما فقد سلمت نفسها فجأة إلى الشرطة بعد ان توارت بداية عن المشهد كعادتها، وفي نهاية الأسبوع اعتقلت الشرطة شخصا رابعا على خلفية ارتباطه بالمجموعة القاتلة. كل السيناريو والاعترافات المسجلة التي عثرت عليها الشرطة تثبت أن العصابة هي تنظيم يميني مسلح يستهدف الأجانب، أما قتلهم لشرطية وجرح زميلها فقد يكون بسب اعتراضهما سبيل العصابة.
ألمانيا التي عانت من جرائم جماعة اليسار الرديكالي المسلح ( بادر ماينهوف) في سبعينات وثمانينات القرن الماضي، تقف اليوم مذهولة أمام جرائم اليمين المتطرف ( كاميراد شافتن) وهو الوريث الطبيعي للنازية التي دمرت ألمانيا والعالم قبل أكثر من ستة عقود ، فيما لا تبتعد عن المشهد جرائم وتهديدات الإسلام الراديكالي .
يستهدف اليمين المتطرف في العادة الإثنيات غير الألمانية التي تعيش في البلد ، وخاصة الأتراك لأنهم اكبر أثنية مهاجرة اختارت الإقامة بعد الحرب العالمية الثانية. نشاط اليمين يتركز في شرق 
وجنوب البلد، والعاطلون عن العمل حليقو الرؤوس قليلو التحصيل هم ذراعه المسلح سيء السمعة. 

العنف اليميني ظاهرة تثير القلق

الثلاثي القاتل

مستشار فرع المنظمة العربية لحقوق الإنسان في ألمانيا نبيل يعقوب تحدث إلى دويتشه فيله مشيرا إلى أن المجتمع الألماني" يواجه اليوم ظاهرة خطيرة تتمثل في انتشار الفكر اليميني المتطرف الميال للعنف عن طريق الأحزاب اليمينية وتنظيماتها المسلحة من مجموعات عنصرية لا تمثل الرأي العام ولكنها تنشر أفكارها وسط مجموعات اجتماعية وشبابية معينة".
وبرأي يعقوب فإن "الإشكال الحقيقي أن هذا المد العنصري وصل أيضا إلى وسط المجتمع، فأصبح الأمر لا يتعلق بنازيين منظمين ولا بمجموعات متطرفة يمكن تعريفها سياسيا بدقة، نحن لا نتحدث هنا عن اكتشاف المجموعة الإرهابية في الآونة الأخيرة، بل نتحدث عن ظاهرة عامة، ففي خلال العقدين الماضيين قتلت مثل هذه المجاميع أكثر من 150 شخصا بسبب لون بشرتهم المختلف أو نمط حياتهم المختلف أو عقيدتهم المختلفة أو بسبب رأيهم المختلف".

التعامل مع الاثنيات يثير الجدل في ألمانيا

ويقارن نبيل يعقوب بين المجتمع الألماني ونظيريه الفرنسي والبريطاني، حيث " أصبح التعامل مع الأثنيات المكونة للمجتمع مسألة معترف بها، أما هنا في ألمانيا، فما زال هذا الأمر موضع نقاش، وهذه ظاهرة غريبة في القرن الواحد والعشرين وبعد عقود من التطور الديمقراطي في هذا البلد، كما أن مسبباتها يعاد إنتاجها بين حين وآخر" وأوضح يعقوب "مثلا قبل وخلال الحملات الانتخابية تلجأ الأحزاب الكبرى الممثلة في البرلمان ( وخصوصا المحافظة منها) إلى إثارة مشكلات الأجانب لجعلهم كبش فداء يلصقون به المشاكل الاقتصادية وغيرها من مشاكل البلد، والضجة الكبرى التي أثيرت حول كتاب تيلو زاراتسين ( ألمانيا تلغي نفسها) تبين إلى أي حد يمكن أن يتسع صدر وسائل الإعلام لمثل هذا اللغط بما يسهم بشكل سيء وضار للغاية في تشكيل الرأي العام".


صورة وجدت مخزنة على كومبيوتر احد المتهمين وتشيرا لى فعاليات منظمة يمينية متطرفة


تنامي قدرة اليمين المتطرف وتفاقم اعتداءاته يعيد إلى دائرة الضوء الدعوات التي أطلقت في أكثر من مناسبة على مدى عقود لحظر الحزب القومي المتطرف، فقد دعا زعيم المعارضة فرانك فالتر شتاينماير الثلاثاء 15.11.2011 لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لحظر الحزب القومي المتطرف بعد ظهور دلائل قوية على تورطه في سلسلة من الجرائم الإرهابية التي استهدفت أجانب في ألمانيا. وقال شتاينماير "يبدو لي الحزب القومي المتطرف كأنه الذراع السياسي الذي يمثل مثل هذه الحركات السرية". كما رأى شتاينماير أن كثرة عملاء الهيئة الألمانية لحماية الدستور "أمن الدولة" داخل هذه التنظيمات لا يحقق الأمن المرجو من وراء هذه العلاقات. 

"عنف اليمين : نتاج مباشر لظاهرة إسلام فوبيا"

بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر، أصبح الخوف من الإسلام والعداء له ظاهرة تجتاح اغلب المجتمعات الغربية، وألمانيا ليست استثناء في هذا المجال، فقد أثبتت دراسة قام بها البروفسور هارتماير من معهد بحوث النزاعات والعنف في جامعة بيليفيلد ومن خلال إحصاءات وأرقام ووقائع مثبتة أن العداء للإسلام والخوف منه قد أضحى ظاهرة اجتماعية خطيرة في أنحاء البلد.
مستشار فرع ألمانيا للمنظمة العربية لحقوق الإنسان نبيل يعقوب عزا تفاقم ظاهرة إسلام فوبيا وما سببته من تنامي العداء للمسلمين من الأجانب على وجه الخصوص " إلى وسائل الإعلام التي ما انفكت تلقي بمسؤولية التدهور الاقتصادي والاجتماعي في بعض مجالات المجتمع بألمانيا على الأقليات المسلمة التي تعيش في هذا البلد".
لكن اتجاه الرأي العام في ألمانيا وكبريات الصحف يميل إلى الاعتقاد بأن قصور أداء أجهزة الأمن في ولاية تورنغن وسكسونيا نابع من سوء تقديرها لخطورة الجرائم التي ارتكبتها العصابة التي أشعلت برميل البارود، لاسيما وان التحقيقات كانت ترفض في الغالب نسبة تلك الجرائم إلى أسباب عنصرية، وترفض اعتبارها صادرة عن مجموعة واحدة. 

*********************************************************************
هل تتجه ألمانيا نحو اليمين المتطرف فعلاً؟

هل تتحوّل ألمانيا فعلا إلى اليمين بصورة خطرة؟. الدراسة التي نشرتها "مؤسسة فريدريش إيبرت" مؤخرا وزعمت فيها حصول تحوّل، أحدثت الأسبوع الماضي ضجة على الصعيد الدولي رغم أنها تثير تساؤلات عدّة من وجهة النظر العلمية.

مسيرة لليمين المتطرف (النازي) في دريسدن

يفرك المرء عينيه اندهاشا إذ أن أحزاب اليمين المتطرف في ألمانيا لم تتمكن منذ عقود عدة من الحصول على أكثر من اثنين في المئة من الأصوات فيما تحظى الأحزاب اليسارية في الاستطلاعات الحالية على نحو 60 في المئة من الأصوات. 
لكن دراسة أجريت مؤخرا بتكليف من "مؤسسة فريدريش إيبرت" القريبة من الحزب الاشتراكي الديمقراطي ترى أن فكر اليمين المتطرف يحظى بشعبية متزايدة. وحسب الدراسة فان 10 في المئة من المواطنين يرون أن للفكر النازي جوانب جيدة، و17 في المئة يعتقدون أن نفوذ اليهود في ألمانيا كبير، و36 في المئة يرون أن ألمانيا تتغرّب بصورة خطرة بفعل وجود عدد كبير من الأجانب فيها.

"الأرقام المساقة تناقض الدراسة ذاتها"

والدراسة المذكورة حول فكر اليمين المتطرف في ألمانيا هي الخامسة على التوالي التي تنفّذ منذ عام 2002، وفي كل مرة تواجه جزئيا لدى أهل الاختصاص بانتقادات شديدة. 

في إطار دفاع سكان كولونيا عد حق المسلمين في بناء مسجد لهم طبع أصحاب المقاهي منشورات تعلن امتناعهم عن بيع البيرة للنازيين الذين تظاهروا


وقامت الباحثة فيولا نوي العام الماضي بتكليف من "مؤسسة كونراد أديناور" القريبة من الحزب الديمقراطي المسيحي بدراسة اليمين واليسار المتطرف في البلاد، ووجدت أن نتائج دراسة مؤسسة إيبرت لا تتطابق مع الأرقام التي ساقتها. وأضافت أن المرء يلمس وجود زيادة طفيفة هنا أو تراجع طفيف هناك، إنما لا يجد بالتأكيد تحولا واضحا يذكر في هذا الاتجاه أو ذاك.
وترى الباحثة أن القائمين بالدراسة الذين يزعمون وجود تنامي دراماتيكي في العداء للأجانب لا يمكن رؤيته في الأرقام المعتمدة منهم، خاصة وأن الأرقام في الدراسات السابقة في أعوام 2002 و2004 و2006 جاءت أعلى بقليل من أرقام هذا العام فيما تراجعت بعض الشيء عن عام 2008 علما أن هذه التغيّرات البسيطة يمكن وضعها في إطار هامش الخطأ الإحصائي. 

هل صحيح أن معظم الألمان معادين للإسلام؟

ورغم أن الدراسة تتكون من 180 صفحة فلا نجد أن الأجوبة التفصيلية مدرجة على جميع الأسئلة المطروحة. من هنا فان زعم مسؤول الدراسة أوليفر ديكير خلال برنامج تلفزيوني بوجود تنامي واضح في العداء للإسلام بين المواطنين رافعا النسبة من 34 في المئة إلى ما فوق الخمسين في المئة غير موثّق عمليا في الجداول المرفقة بها. 
وتعتقد فيولا نوي من مؤسسة أديناور أن الطريقة المتبعة في الدراسة هي سبب الأرقام المخيفة المعلنة. وذكرت أن واضعي الأسئلة فضلوا جعلها أسئلة عامة، وحاولوا بذلك تفسير أجوبة المستطلعين كما يحلو لهم. وقالت نوي إنه في العادة لا يلجأ الباحثون إلى اعتماد أجوبة أشخاص لم يجيبوا بصورة واضحة على الأسئلة. وكان من المستغرب أيضا في رأيها التفسيرات التي أعطوها لأجوبة بعض اليمين المتطرف، إذ أن من يدعم كلاما يطالب الأجانب العاطلين عن العمل بالعودة إلى بلدانهم يبغي عمليا ما يريده الكثيرون في الدول الديمقراطية.


تظاهرة لليسار المتطرف ضد النازيين


الحجم الفعلي للمتطرفين بين 2 و5 في المئة

#b# وطرحت دراسة مؤسسة إيبرت أسئلة تتعلق بالعداء للرأسمالية وللولايات المتحدة، ما يتوافق مع فكر اليسار المتطرف، الأمر الذي لم يدهش فيولا نوي. وتحدثت الأخيرة عن وجود تصورات سياسية غريبة نوعا ما لدى أناس، الأمر الذي يعكس ميلا قويا إلى "نظرية المؤامرة" التي قد يكون لها مصدر يميني أو يساري، إضافة إلى ميل معيّن إلى "نظرية الصديق ـ العدو". 
وهؤلاء يعتقدون بوجود إرادة شعبية عامة يمكن أن تكون يمينية أو يسارية، ما يعني وجود موقف سياسي عام لدى البعض خاص وغريب بعض الشيء، إنما لا يمكن تصنيفه لا باليمين ولا باليسار المتطرف.
وبالمقارنة مع دراسات أوروبية مماثلة ترى نوي أنه يوجد في كل الدول الديمقراطية أشخاص يحملون مثل هذه الأفكار، لكن حجمهم يراوح في كل مكان بين 2 و5 في المئة، وكذلك الأمر في ألمانيا لا حسب ما ذكرته دراسة مؤسسة إيبرت.
***********************************************************
"العداء للألمان" في مدارسهم: حالات معزولة أم خطر داهم؟

دق عدد من المدرسين ناقوس الخطر حول تنامي "العداء للألمان" في المدارس المتواجدة في الأحياء الساخنة التي ترتادها غالبية من التلاميذ من أصول مهاجرة عربية وإسلامية، ما أجج الجدل من جديد حول اندماج المسلمين في ألمانيا.

تنامي ظاهرة العنف في المدارس الألمانية في الأحياء الساخنة.

سواء تعلق الأمر بمدن كبرلين وفرانكفورت وإسن أو كولونيا فإن بعض المدرسين يحذرون من مشاعر العداء المتزايد الذي يواجهه "التلاميذ الألمان" الذين يرتادون هذه المدارس، ويجدون أنفسهم في وضع الأقلية. وهناك من ذهب إلى حد وصف هذه الظاهرة ب"العداء للألمان". ويرجع البعض أسباب هذه الظاهرة إلى الثقافة العربية الإسلامية، فيما يحرص البعض الآخر على توصيفها بظاهرة اجتماعية تحددها علاقة "الأغلبية بالأقلية".
وفي حديث لدويتشه فيله أرجع بيتر سينران، المتحدث باسم نقابة المدرسين في ولاية برلين، بدايات هذا النقاش إلى حوالي عام تقريبا، حين نشرت صحيفة برلينية مقالا عن تجارب بعض المدرسين في الأحياء الساخنة في المدينة تحت عنوان "جدل حول العداء للألمان"، تجارب وصفت حالة العداء التي تواجه "التلاميذ الألمان" هناك، مما أثار في حينه زوبعة من ردود الفعل المتباينة. ولتسليط الضوء على هذا الموضوع نظمت نقابة المدرسين مؤخرا ندوة تناولت جوانب اعتبرها البعض من التابوهات المسكوت عنها في الخطاب السائد حول اندماج المهاجرين في ألمانيا.

"ظاهرة لا يمكن القبول بها"

وفي هذا السياق أعربت مفوضة الحكومة الألمانية لشؤون الاندماج ماريا بومه عن قلقها بشأن تقارير عن تزايد ظاهرة "العداء للألمان" داخل المدارس الألمانية، واعتبرت أن الأمر لا يتعلق بحالات معزولة يواجه فيها التلاميذ والمدرسون تصريحات معادية للألمان، وأضافت بهذا الصدد في حديث لصحيفة "باسوا نويه بريسه" "حينما يخاف التلاميذ من الخروج إلى ساحة المدرسة ويتعرض المدرسون للترهيب، فإن هذا أمر لا يمكن القبول به". وأكدت بومه على أن الألمانية هي اللغة التي يجب أن تكون سائدة في مدارس البلاد، فالحديث بلغة واحدة يساعد على تفادي ظواهر التمييز، ودعت إلى مزيد من الدعم للمدارس التي تضم نسبة عالية من التلاميذ من أصول مهاجرة.
وفي حوار مع دويتشه فيله انتقد علي دوغان من وزارة العمل والهجرة في ولاية شمال الراين ووستفاليا مواقف بعض السياسيين بهذا الصدد واتهمها ب"الشعبوية"، وأضاف "لا أحد ينكر وجود مشاكل في المدارس الألمانية، إلا أن أسبابها تعود إلى عوامل اجتماعية تعاني منها أسر التلاميذ الألمان من أصول أجنبية". ورفض علي دوغان التمييز بين التلاميذ على أسس عرقية أو دينية، وقال إن ذلك لا يساهم في وحدة المجتمع الألماني.


مفوضة الحكومة لشؤون الاندماج ماريا بومه تعبر عن قلقها من تنامي الظاهرة.

إحياء الجدل في سياق متشنج


هل تعود صعوبة الاندماج إلى أسباب دينية وثقافية أم اجتماعية واقتصادية؟

بعد المقال المثير للجدل الذي نشره مدرسان العام الماضي، نظمت نقابة المدرسين في برلين مؤخرا ندوة متخصصة لتسليط الضوء على موضوع اعتبره البعض من الموضوعات المسكوت عنها في الخطاب السائد حول الاندماج. وجاءت بعض المواقف التي تم التعبير عنها في هذه الندوة لتحيي الجدل من جديد في سياق تزامن مع الضجة التي أثارها كتاب "ألمانيا تلغي نفسها" لتيلو سارازين، العضو السابق في مجلس إدارة البنك المركزي الألماني ، الذي اتهم المسلمين بامتصاص برامج المساعدات الاجتماعية، ورفض الاندماج، وعدم تحقيق سوى مستويات متدنية من التعليم، إضافة إلى امتلاكهم ل"خصائص وراثية تميزهم عن غيرهم".
بعد ذلك جاءت ردود الفعل المتباينة على تصريحات الرئيس الألماني كريستيان فولف حول الإسلام في ذكرى الوحدة الألمانية، وزيارة غيرت فيلدرز، الهولندي المعادي للإسلام لبرلين، لتزيد من حدة التشنج السائد، الذي شكل ذروتها تصريحات رئيس حكومة ولاية بافاريا، هورست زيهوفر. فقد طالب الوزير بوقف استقدام المزيد من المهاجرين الأتراك والعرب، بسبب صعوبة اندماجهم في المجتمع الألماني على حد قوله.
سياق اعتبره بيتر سينران من نقابة المدرسين في ولاية برلين في حواره مع دويتشه فيله أنه ساهم في سوء فهم الموضوع الجوهري الذي تناولته الندوة، وأضاف بهذا الصدد "ندوتنا تزامنت للأسف مع هذا الجدل، ما أبعدها عن جوهر الموضوع". وأرجع سينران الإشكالية برمتها إلى ما أسماه "أكذوبة سياسية" تبنت ألمانيا من خلالها طوال عشرين سنة الماضية سياسة خاطئة في موضوع الاندماج، حيث كان يقال دائما إن "ألمانيا ليست بلد هجرة"، إلا أن هذا الأمر تم استدراكه بشكل متأخر، و"باتت معظم الأحزاب السياسية تعترف بحقيقة أن ألمانيا بلد هجرة".

تساؤلات حول تعبير"العداء للألمان"


بعض الخبراء لا يرجع ظاهرة "العداء للألمان" بين التلاميذ إلى الانتماء الديني والعرقي


وفي حديثه لدويتشه فيله تساءل بيتر سينران عن دقة تعبير "العداء للألمان"، معتبرا أنه تعبير إشكالي، لأنه يوحي بدلالات إتنية، وأوضح بهذا الصدد: "لاحظنا أن الأمر يتعلق بسلوك الأغلبية ضد الأقلية، ولا حظنا مثلا السلوك نفسه في المدارس التي يشكل فيها التلاميذ من أصول عربية الأغلبية، حيث يمارسون التمييز ضد التلاميذ من أصول تركية". ويستنتج سينران من ذلك أن الأغلبية تتعامل مع الأقلية بدون احترام، بغض النظر عن انتمائها، ولذلك لا يرى في تعبير "العداء للألمان" تعبيرا دقيقا قادرا على وصف هذه الظاهرة.
وذهب علي دوغان في نفس الاتجاه موضحا أن معظم هؤلاء التلاميذ يعتبرون أنفسهم ألماناً، إلا أن غياب الآفاق لدى المنحدرين منهم من أصول أجنبية قد يجعلهم أحيانا يشعرون بالإقصاء، ما يدفعهم إلى البحث عن "جماعات هامشية"، إلا أن دوغان حذر من تعميم هذا الأمر، ودعا إلى ما أسماه "تطوير إحساس جديد بالانتماء الجماعي" من شأنه تعزيز وحدة الشعب الألماني.
***********************************************************
المدارس الألمانية تستعين بمعلمين من أصول أجنبية

التلاميذ المنحدرون من اصول مهاجرة يجدون في معلميهم من اصول اجنبية قدوة لهم

تتجه المدارس الألمانية إلى الاستعانة بمعلمين من أصول مهاجرة في ظل تزايد عدد التلاميذ المنحدرين من أصول أجنبية. وجود معلمين من أصول مهاجرة يفيد هؤلاء التلاميذ ويقدم لهم نموذجا ناجحا للاندماج يمكنهم أن يحذوا حذوه. 

تعاني المدارس الالمانية من نقص في عدد المعلمين والمعلمات، ومع الازدياد الملحوظ في عدد التلاميذ من اصول اجنبية، تزداد الاعباء الملقاة على كاهل هيئة التدريس. اذ ورغم أن التدريس يتم باللغة الالمانية، الا ان وجود معلمين يعرفون اللغة الأم والخلفيات الاجتماعية للتلاميذ مفيد جدا في التعامل مع التلاميذ، لذا يدعو المعلمون الالمان الى توظيف عدد اكبر من نظرائهم من ذوي الاصول الاجنبية.

هوية المعلم تسهم في دمج التلميذ في المجتمع
عندما يدخل المدرس جاهيت بزار Dschahit Basar إلى فصله في مدرسة بورتز Porz بمدينة كولونيا يقوم بتحية التلاميذ ويردون التحية بمثلها. جاهيت بزار من اصل تركي، وهو يدرس مواضيع السياسة والتاريخ والاجتماع. درْسُ اليوم يتناول موضوع الحداثة. تلميذة من افغانستان تسأله عن الزواج القسري. غالبية تلاميذ الصف من اصول اجنبية. من تركيا وبولندا وكازاخستان وكوسوفو.

نسبة التلاميذ المنحدرين من اصول اجنبية في المانيا في ازدياد

ثلاثون بالمائة من تلاميذ المدارس في ولاية شمال الراين ويستفاليا من اصول اجنبية مقابل واحد بالمائة من المدرسين. جاهيت بزار أحد هؤلاء المدرسين وهو الوحيد من اصل اجنبي في مدرسته، لذلك يعتبره تلاميذه قدوة لهم، ويقول أحدهم "حين يكون لدي مشاكل شخصية، اشعر انه يفهمني افضل من باقي المعلمين. عند الاستماع الى سيرة حياته، فانني افكر: انا ايضا يمكنني ان احقق نجاحا مثيلا لنجاحه".

اتحاد للمعلمين المنحدرين من أصول أجنبية
ولد جاهيت بزار في مدينة ديزبورغ بالمانيا، واجه صعوبات في اكمال دراسته، وهذا يساعده في تفهّم مشاكل التلاميذ وتحفيزهم على الاجتهاد. وعن ذلك يقول "تمنيت حين كنت تلميذا التعرفَ على شخص تكون حالته الاجتماعية كحالتي، شخص ٍ يفهم الخصوصية الثقافية التي انحدر منها ويساعدني في التغلب على بعض المشاكل. تمنيت شخصا يتعاطف معي ويكتشف قدراتي ويشجعني".

المدارس الالمانية تسعى للاستفادة بخبرة المعلمين المنحدرين من اصول اجنبية

وقبل حوالي ثماني سنوات، بدأت المدارس الالمانية بالانتباه الى أهمية الاعتماد على مدرسين من أصول أجنبية في تعزيز عملية الاندماج. ويوجد حاليا اتحاد لهؤلاء المعلمين في ولاية رينانيا الشمالية وستفاليا يضم مائة وثلاثين عضوا، وهم ينشطون لحث وزارة التربية والتعليم على تشجيع الطلاب من ذوي الاصول الاجنبية للالتحاق بمعاهد التربية والتعليم لكي يتم توظيفهم في المدارس لاحقا. فنسبة من هم اصول اجنبية في هذه المعاهد لا تزيد عن اثنين بالمائة حاليا، وهذا في أكبر ولاية المانية يزيد عدد سكانها عن سبعة عشر مليون نسمة وتمتاز بارتفاع نسبة الاجانب فيها.
***********************************************************صعوبة اندماج المهاجرين في ألمانيا- من يتحمل المسؤولية؟ 

أثارت تصريحات شخصية ألمانية بارزة في مجال الاقتصاد والسياسة بشأن مسؤولية المهاجرين عن المشاكل التي تواجههم في طريق الاندماج، استياء واسعا في أوساط المهاجرين الذي يروا أن المسؤولية تقع أيضا على عاتق المجتمع. 

هل الدولة الألمانية مقصرة في واجباتها تجاه اندماج المهاجرين؟

ساد استياء واسع في أوساط المهاجرين في ألمانيا بشكل عام وفي العاصمة برلين على وجه الخصوص، عندما نشرت إحدى المجلات الثقافية الشهر الماضي حوارا مع تيلو سارازين، مدير البنك المركزي الألماني والعضو البارز في الحزب الاشتراكي الديمقراطي، تضمن إساءات بالغة للعرب والأتراك في برلين. ومن ضمن ما صرح به المسؤول الألماني في ذلك الحوار أن "المهاجرين العرب والأتراك لا يساهمون بشئ خارج عملهم كبائعين للخضر والفواكه" وهم برأيه "لا يفعلون شيئا بخلاف إنتاج فتيات صغيرات محجبات باستمرار"، كما عبر بكلمات قاسية حول مسوؤلية المهاجرين عن المشاكل التي تواجههم في الاندماج في المجتمع الألماني.

"أشعر بالغربة في ألمانيا رغم أنني ولدت فيها" 

المجتمع الألماني أم الأجانب هو المسؤول عن العقبات التي تقف في طريق اندماج الأجانب؟


وأغضبت تلك التصريحات العرب والأتراك في العاصمة الألمانية برلين واعتبروها استفزازا لهم، إذ يرى المهاجرون وخاصة الشباب بينهم، أن المجتمع الألماني هو المسؤول عن العقبات التي تقف في طريق اندماج الأجانب. وأحد هؤلاء الشباب شالا بوداغلي التركي الأصل، وهو مغن هاو ينظم بنفسه كلمات أغاني الراب التي يتحدث فيها حول حياته كمهاجر مشددا على انتمائه إلى برلين مع جذوره التركية. وفي هذا السياق يقول شالا "ولدت في ألمانيا وأرغب أيضا بالبقاء والعيش فيها، لكنني على الرغم من ذلك غريب في هذا البلد". ويضيف ساخرا أنه من المؤلم أنه لا يملك المال الكافي وإلا لقام بتغيير لون شعره إلى الأشقر ولون عينيه إلى الأزرق! ثم يحكي عن حياته، فهو ولد في حي كرويزبيرغ الذي يشكل فيه المهاجرون غالبية السكان. وشأنه في ذلك شأن معظم المهاجرين، إذ قدم والده للعمل في ألمانيا بصفة مؤقتة لكنه استقر فيها بعد ذلك. ويصف شالا المنزل الذي يقيم فيه مع عائلته بأنه ضيق، الأمر الذي دفعه إلى قضاء أوقات فراغه في فترة المراهقة في مركز الشباب المجاور للمنزل. 

نقطة الانحراف

مراكز الشباب تقوم بدور مهم: رحلة مجموعة من الشباب إلى البرلمان الألمانية شهر مارس الماضي نظمها مركز الشباب في مدينة دورماغن الألمانية

وبدأ كل شئ في حياة شالا يتغير بعد أن قررت السلطات الألمانية إغلاق مركز الشباب ضمن إطار خطة التقشف المالي. وهكذا انتهى المطاف به وببقية شباب الحي إلى الشارع. ولم يطل الوقت حتى أقدم على السرقة والغش للحصول على المال اللازم لبطاقة الدخول إلى السينما أو لشراء حذاء رياضي. ويقول نادما "ذلك أغبى شئ فعلته في حياتي على الإطلاق"، فهو دخل السجن للمرة الأولى عندما كان في الرابعة عشر من العمر. ثم تكررت زيارته إلى هناك مرة أخرى بعد بلوغه الثامنة عشر حيث مكث داخل السجن لمدة عامين ونصف. وكما يستخلص هذا الشاب فقد بدأ كل هذا التطور السلبي في حياته بعد إغلاق مركز الشباب في الحي، إذ لم يجد هو وأقرانه مكانا يلتقون فيه سوى قارعة الطريق. ويجد شالا أن السلطات والمدارس الألمانية لا تهتم بشؤون المهاجرين، كما أن المواطنين الألمان لا يهتمون من جهتهم بجيرانهم المهاجرين الذين يقطنون معهم في نفس الحي. 

الشباب المهاجر ومشكلة البطالة

أما تجربة سادار كوبان فلم تختلف كثيرا، فهذا البرليني التركي الأصل البالغ من العمر تسعة وعشرون عاما تعلم مهنة السباكة، إلا أنه لم يوفق في الحصول على عمل شأنه في ذلك شأن الكثير من المهاجرين الذين يعانون بشكل خاص من مشكلة البطالة. ويواصل الشاب سرد تجربته في البحث عن عمل بكل السبل المتاحة، والفشل الذي دفعه إلى تزوير أوراقه وتقديم معلومات خاطئة إلى أرباب العمل. وبالرغم من حصوله على مكان للعمل في آخر الأمر، إلا أنه يقر بأن ذلك الأسلوب خاطئ وإجرامي. لكنه يبرر لجوءه إلى الغش والتزوير إلى قلة الإمكانيات المتاحة أمامه، ويرى أن المجتمع يتحمل عبء المسؤولية، فالمهاجرين يعيشون معزولين فيما يشبه "الغيتوهات". 
كما أن الدعم المالي الحكومي لأسر المهاجرين الفقيرة غير كاف في نظره. ويشتكي سادار من الكليشيهات التي تروج لها وسائل الإعلام حول المهاجرين، إذ تسلط الأضواء على الجوانب السلبية مثل العنف في أوساط الشباب المهاجر وتصوير الكثير من الشباب العرب والأتراك كمتسكعين في الشوارع، "عندها أتفهم لماذا تتأكد الأحكام المسبقة لدى الكثير من الألمان ويقوى الاعتقاد السائد بأن الأجانب أناس غير صالحين" كما يقول ساردار. 

من المسؤول عن تعثر عملية اندماج الأجانب

ويرجع خبير شؤون الاندماج هارون سويس الإحباط الذي يعاني منه الشباب العرب والأتراك إلى أسباب مختلفة، فهم يشعرون بأن السياسة الألمانية تتجاهلهم، بالإضافة إلى أنهم يواجهون التمييز في المدرسة والشارع من ناحية، والإهمال من جانب الأسرة. وهذا الخبير الذي ينحدر من أصل فلسطيني أردني على دراية بالمشاكل التي يواجهها الشباب المهاجر وخاصة المراهقين من أصل عربي، فعدد أفراد الأسرة، كما يقول، في هذه الحالة يفوق مثيله في الأسرة الألمانية، كما أن المساحة المتاحة للسكن ضيقة، ثم هناك أيضا عامل اللغة حيث لا يجيد الأهل عادة اللغة الألمانية بينما يجهل الأولاد اللغة العربية، بحسب تقييم الخبير سويس. وهناك مخاوف من جانب الأهل من اندماج أبنائهم في المجتمع الألماني، إذ سيصبح الطفل في هذه الحالة طفلا "ألمانيا" وليس "عربيا" كما يضيف.

بارقة أمل

وبمساعدة الأخصائيين الاجتماعيين وبفضل مشروعات خاصة بالاندماج في برلين، نجح الشابان شالا وساردار في الخروج من العزلة، إذ عمل شالا على تخطي تجربته في السجن من خلال الحديث عنها في أغاني الراب التي يكتبها بنفسه ويقوم بأدائها. وهو يقدم حاليا دورة في الرقص "Breakdance" كما يشارك في العمل ضمن مشروع يهدف إلى مكافحة العنف في أوساط الشباب. أما ساردار فقد أسس شركة صغيرة للخدمات في مجال الكومبيوتر، وهو يقوم بكتابة الشعر وينوي عما قريب نشر كتاب عن قصة حياته. وهو يجد أن كتابه لن يكون تجسيدا لقصة حياته فحسب، وإنما لحياة بقية المهاجرين كذلك، وكما يقول "كل منا يقترف أخطاء في حياته، وأنا تعلمت من أخطائي وخرجت بمحصلة ايجابية، والكتاب سيكون بمثابة توثيق لحياتي كشاب مهاجر، فقد نجحت في تخطي الصعاب. وحين يقرأها شاب آخر سيعرف أن اليأس ليس هو الحل وأن الأمل موجود."
***********************************************************سياسيون من أصول أجنبية يعانون الغربة داخل أحزابهم في ألمانيا
رغم الازدياد المضطرد في أعداد الألمان من أصول أجنبية، فإن مستوى مشاركتهم في الحياة السياسية ما يزال ضعيفا، ولعل الشكوك بقدرة هؤلاء على الاندماج في المجتمع الألماني في مقدمة الأسباب الكامنة وراء ذلك. 

جذور المهاجرين تبقى مؤثرة رغم الانتماء السياسي الى الوطن الجديد

حسب آخر أرقام صدرت عن الدائرة الاتحادية للإحصاء، يمثل عدد الأجانب في ألمانيا نسبة 18.7 بالمائة من مجموع سكان البلاد، بينهم ثمانية ملايين يحملون الجنسية الألمانية. وتحق المشاركة في الانتخابات التشريعية القادمة خريف هذا العام لحوالي 690 ألفا من بين مليوني ألماني من أصول تركية. وقد لاحظت الأحزاب أهمية أصوات الألمان من ذوي الأصول المهاجرة، وعلى هذا الأساس بدأت هذه الأحزاب بالترحيب بهم ولو بشكل رسمي. 

"اهتمام الناس يتزايد بالتعرف على الانتماء الديني للمرء"

جيم ديمرجان عضو في الحزب الاشتراكي الديمقراطي منذ عام 1994

وعلى الرغم من انضمام ألمان من أصول مهاجرة إلى الأحزاب، فإن التعامل معهم على مستوى فروعها في الولايات الألمانية يتم بطريقة مزدوجة تثير الاستغراب. مثال على هذا التجربة التي مر بها جيم ديمرجان عضو الحزب الاشتراكي الديمقراطي بمنطقة فيلبيرت في ولاية شمال الراين فيستفاليا، فعلى الرغم من ان جيم ترعرع في ألمانيا، فإن بعض رفاقه في الحزب مازالوا ينظرون إليه كتركي بالدرجة الأولى، ولهذا فان عليه أن يمر أحيانا بمواقف غريبة، كالموقف التالي مثلاً إذ يقول: في اجتماع للحزب قذف عليّ احدهم منشورا متسائلاًً: ما هذا الذي وزعتموه مرة أخرى؟ فأصابتني الدهشة،لأني أولا لم أوزع مناشير، وثانياً لا اعرف شيئا عن هذا المنشور، وثالثاً لا اعلم من هذه المنظمة التي نشرته، "وقد تبين بعد ذلك أن المنشور وزعته منظمه إسلاميه أصوليه، تذكر فيه انه لا يوجد إلا دين واحد"، يقول السياسي الناشط جيم ببعض الامتعاض: " حينها اتضح لي انه في داخل هذا الحزب أيضا يوجد بعض الناس ممن لا يستطيعون التمييز".

وبالرغم من ازدياد عدد أعضاء البرلمان من أصول تركية على مستوى الولايات أو البرلمان الاتحادي خلال السنوات الخمس الأخيرة من 50 إلى 85، إلا أن مشاعر عدم الثقة الدفينة ازدادت أيضا باتجاه المهاجرين من أصول مسلمه، يقول جيم المتخصص في اقتصاد المعلومات: "اعتقد وللأسف، أن اهتمام الناس يتزايد بالتعرف على الانتماء الديني للمرء". 

"لا تناقض بين الانتماء الديني والعمل السياسي"

فاطمة ابراهيم لقمان عضوة مجلس بلدية مدينة بيركهايم عن الحزب المسيحي الديمقراطي

تجربه اخرى مرت بها الدكتورة فاطمة إبراهيم لقمان، عضوة مجلس مدينة بيركهايم قرب كولونيا، الدكتورة فاطمة سياسية عن الحزب المسيحي الديمقراطي، وهي من أصول قبرصية.حيث انضمت هذه المسلمة إلى الحزب المسيحي الديمقراطي قبل 11 عاما، وذلك بعد أن تم ترشيحها من قبل الحزب نفسه. ورغم ذلك فقد تم طرح السؤال التالي مراراً عليها، „لماذا انضممت لحزب ذو اتجاه مسيحي واضح؟ "غير أن ذلك الأمر لا يمثل للسيدة فاطمة المتزوجة من ألماني والأم لطفلين تناقضاً، حيث تقول: "اعتقد أن هذا الأمر لا علاقة له بالدين"، وبالرغم من كل الصعوبات في داخل حزبها فان هناك الكثير من المسيحيين الديمقراطيين في مدينتها المحافظة بيركهايم يقدرون عملها جداً.
وبالتأكيد فان دكتورة الكيمياء هذه والسياسية أيضاً تمثل رابطاً مهماً بين السياسة في ألمانيا والأعداد المتزايدة للمواطنين الألمان من ذوي الأصول المهاجرة. ومن المهم جداً لعضوة مجلس مدينة بيركهايم، والتي تعتبر نفسها مندمجة جداً مع المجتمع الألماني، هو اندماج الأجانب من أصول مسلمه. ويأتي في مقدمتهم أولئك الذين يعودون إلى جذور تركية، على أساس أن هؤلاء أقل المجموعات الأجنبية اندماجاً في المجتمع الألماني حسب تقارير ودراسات صدرت أُعلن عنها مؤخرا. حول هذا المشكلة بالذات يجب أن ينصب اهتمام الأحزاب في ألمانيا، إذ تقول السيدة لقمان: "ربما ليس واضحاً لهؤلاء المهاجرين، كم هو مهم الدخول في عالم السياسة، ولهذا فان من واجب الأحزاب أيضا أن تعمل لكسب ثقة المهاجرين".

شكوك لدى ممثلي الأجانب

مودجات اورهان ممثل المهاجرين في مجلس بلدية نويسر

كثير من ممثلي الأجانب يبدون متشككين بأن هناك رغبة حقيقية من قبل الأحزاب بالتوجه نحو المهاجرين. ومن بين هؤلاء المنتقدين مودجات اورهان الألماني من أصل تركي، والذي يمثل المهاجرين في مجلس مدينة نويسر. فهو يظن أن تلك القلة من الناشطين سياسياً من المهاجرين قد تم دفعهم إلى مجالس حزبية غير مهمة، وتهتم فقط بمشاكل الاندماج. ويقول أيضا أن هؤلاء السياسيين من أصول مهاجرة لا يملكون القرار الأخير. وحتى أولئك المعروفين منهم لم يغيروا شيئاً يذكر. إلا أن هناك بعض الحالات الاستثنائية، وهي حسب رأيه ربما للعرض فقط.

***********************************************************"جغرافيا الخوف"ـ رواية تصور معاناة مهاجر غير شرعي في مدينة أوروبية 

يثير عنوان رواية "جغرافيا الخوف" للكاتب الجزائري المقيم في ألمانيا، حميد سكيف، فضول القارئ للبحث عن نهاية قصة مأساوية بطلها مهاجر غير شرعي يعيش في مدينة أوروبية، متخفيا بأسماء وهويات مزيفة، القاسم المشترك بينها هو الخوف.

غلاف الترجمة الألمانية لرواية "جغرافيا الخوف"

وقع الاختيار على عنوان رواية "جغرافيا الخوف" من قبل دار النشر الألمانية " ناوتيلوس" (مقرها هامبورغ)، لترجمتها إلى الألمانية، اعتقادا من الناشر بأنها ملائمة للجمهور الألماني، كما يقول كاتبها حميد سكيف في مقابلة مع دويتشه فيله. وصدرت الرواية بالألمانية منذ بضعة أشهر، بعد أن لقيت نجاحا واسعا في فرنسا وإيطاليا، ونال عليها مؤلفها جوائز مرموقة. ويلاحظ تغيير عنوان الرواية بحسب البلد، فهي بعنوان"جغرافيا الخطر" باللغة الفرنسية التي كتبها بها سكيف ، وهي أيضا بعنوان "الخوف" في الترجمة الايطالية للرواية ، وتحمل هذه العناوين المتباينة لنفس النص الأدبي، مؤشرا على تفاوت النظرة بين ثلاثة من كبريات البلدان الأوروبية المستقبلة للهجرة، للقضية التي تعالجها الرواية؛ أي قضية الهجرة غير الشرعية.

" جدلية الحب والفشل والخوف"

الروائي حميد سكيف( الى يمين الصورة) مع اندرياس منسنر مترجم روايته الى الألمانية 

في نهاية شهر سبتمبر من عام 2005 فرغ سكيف من كتابة "جغرافيا الخوف" وحمل فصلها الأخير بصمات أحداث مأساوية شهدتها مدينتا سبته ومليلية، سقط فيها قتلى وجرحى من شبان أفارقة كانوا يحاولون اجتياز الحدود بين اسبانيا والمغرب. ويعترف سكيف قائلا "لقد شكلت تلك الأحداث صدمة لي ووجدت نفسي هكذا أكتب عنها في نهاية الرواية". والرواية مفعمة بأحداث الواقع ويعكس أسلوبها حميد سكيف كروائي للموضوعات السياسية. ونبعت فكرة الرواية كما يقول سكيف" عندما أردت أن أتخيل مآل الأوضاع لو أن حكومات أوروبية ذات توجهات يمينية تذهب في سياساتها التي تحاول اللعب على مشاعر الرأي العام ، إلى أبعد الحدود ، فتنفذ عمليات واسعة لطرد الأجانب وخصوصا المهاجرين غير الشرعيين". 
ومن هنا ظهر بطل الرواية منغلقا على نفسه في غرفة وهو في حالة انتظار رهيبة لمرور عاصفة ملاحقة المهاجرين. لكن ستكسر هذه الحلقة المخيفة التي يعيشها هذا المهاجر غير الشرعي، عندما يجد مساعدة من صديق وهو طالب اسمه ميشيل، وعندما يبدأ باكتشاف علاقات الحب مع جيرانه في العمارة المقابلة لغرفته. ولذلك يرى سكيف أن روايته رغم قسوة الوقائع المحملة بها، فهي تتجاوز في عمقها قصة مهاجر غير شرعي و تذهب بقارئها إلى أعماق لا علاقة لها بالسياسة، "إنها رواية عن الحب والإنسان ، والفشل والخوف"كما يقول.

تعدد الأسماء والهويات...والخوف هو القاسم المشترك 

" ليس لي اسم أو لقب وليس لي هوية، فقط لدي أسماء مستعارة، وكل الصفات أو الهويات التي احملها تتوقف على الذي يشغلني: فأنا تركي، عربي، بربري، إيراني، كردي، بوسني...إنني حسب ما تمليه الضرورة ". ترسم هذه الفقرة من الرواية ملامح شخصية بطل الرواية، إنه باختصار مهاجر غير شرعي بدون هوية.
لكن ما هو القاسم المشترك في هذه الشخصية؟ يجيب سكيف "إنها خاصية الخوف". وحول ما إذا كان هذا الخوف من قسوة الواقع الذي يعيش فيه أم من الترحيل إلى بلده في حال إيقافه، يقول سكيف" إنه خوف من التعسف والقمع، خوف يلاحقه منذ كان في بلده، خوف من الملاحقة والترحيل وانتهاكات يتعرض لها هؤلاء الشبان المهاجرون بسبب أوضاعهم غير الشرعية، رغم أنهم لم يرتكبوا أي جريمة سوى أنهم لا يحملون وثائق قانونية". 

في انتظار المجهول!

رواية " جغرافيا الخوف" محاولة مغاربية لاختراق الحقل الثقافي الالماني 

لكن هل إخفاء الهوية والتخفي، ينم عن نية في التنكر للماضي والهوية الحقيقية؟ "حتما لا" يجيب سكيف، موضحا أن الشبان المهاجرين غير الشرعيين رغم خيبات الأمل التي تعرضوا لها في بلدانهم، فهم ليسوا محبطين بل يحافظون في أعماقهم على تعلقهم بالجذور، لكنهم خائفون. وتجسد شخصية بطل الرواية الخوف من الذوبان والضياع وفقدان الهوية، بسبب الظروف القاسية التي يواجهها في حياته المنغلقة في غرفته لمدة ثلاثة أشهر، ولا يستطيع مغادرتها إلا في جنح الظلام كي يبحث في القمامة عما يسد به رمقه، وهو لا يعرف ما سيحدث له بعد لحظات أو ساعات أو أيام ويعيش دائم الخوف من إمكانية إيقافه. وأمام حالة التقوقع التي تحاصره في غرفته، لن يجد هذا المهاجر غير الشرعي، سوى تقليب ذكرياته ومن هنا جاءت الرواية مليئة بمشاهد كأنها فيلم عن ذكرياته وماضيه بتفاصيله.

اختراق مغاربي في الحقل الأدبي الألماني 

هل رواية "جغرافيا الخوف" والقضية التي تعالجها، هي محاولة من الكاتب طرح الموضوع على الجمهور الألماني واستدراجه للمناقشة حوله باعتبار القضية مشتركة؟ قد يكون ذلك لكن الأهم بالنسبة لسكيف كما يقول هو كونها مسلك أدبي يهدف من خلاله لتحقيق اختراق مغاربي في الحقل الأدبي والثقافي الألماني، على غرار ما يحققه جيل من الأدباء الشبان الأتراك في ألمانيا. ويقول سكيف " أتمنى أن يمكنني هذا الكتاب من فرصة حوار ثقافي أوسع مع الجمهور الألماني"، حوار يمكن أن يساهم في تبديد أكليشيهات وسلبيات في النظرة المتبادلة بين المجتمعين الألماني من جهة والمغاربي والعربي من جهة ثانية.

***********************************************************
منظومة قانونية وأمنية ألمانية صارمة إزاء الهجرة غير الشرعية 

يرى خبراء وناشطون مهتمون بقضايا الهجرة أن المنظومة القانونية والأمنية التي تعتمدها ألمانيا في التعاطي مع ظاهرة الهجرة غير الشرعية ربما تكون من أكثر الأنظمة صرامة أوروبيا، ما يجعلها عرضة لانتقادات هيئات إنسانية وحقوقية.


مهاجرون مغاربيون يصارعون من أجل البقاء في ألمانيا

يلفت نظر المتتبع لأوضاع المهاجرين غير الشرعيين في ألمانيا غياب جمعيات قانونية ينتظمون فيها على غرار ما هو قائم في فرنسا وإيطاليا وإسبانيا، وذلك على الرغم من تقديرات المنظمات الإنسانية الألمانية بوجود أعداد ضخمة من المهاجرين غير الشرعيين قد تناهز مليون شخص. 
بيد أن السلطات الألمانية تشكك في تلك الأرقام وترفض مطلقا التعامل مع هذه الفئة بمنطق الحلول الجماعية، مثل نظام الحصص المعمول به في عدد من الدول الأوروبية. بيد أن ألمانيا في الوقت ذاته تعتمد نسقا من الإجراءات المعقدة ، يجعلها تسيطر على هذه المشكلة على الرغم من حجمها وإن كانت تتعرض لانتقادات من هيئات حقوقية وإنسانية.

فرانكفورت قبلة المهاجرين المغاربيين


طالبو لجوء أفارقة في مطار فرانكفورت 

تأتي فرانكفورت ثالثة بعد برلين العاصمة الاتحادية وميونيخ، من حيث استقبالها للمهاجرين غير الشرعيين، حيث تفيد المنظمات الإنسانية بوجود 50 ألف مهاجر غير شرعي يعيشون في المدينة. وبدورها تشير الدوائر الشرطية إلى أن هذه المدينة باتت في السنوات القليلة الأخيرة أكبر وجهة للمهاجرين غير الشرعيين الوافدين من بلدان شمال إفريقيا. 
ويشكل مطار فرانكفورت الدولي، واحدا من أهم النقاط التي يستخدمونها، سواء بطريقة غير مباشرة من خلال البقاء في ألمانيا بطرق غير شرعية بعد انتهاء صلاحية تأشيرات السفر، أو مباشرة من خلال تقديم المهاجر نفسه لسلطات الأمن في المطار وطلب اللجوء. 

طلبات اللجوء 

غونتر بيكشتاين رئيس وزراء ولاية بافاريا ووزير داخليتها السابق 

ومن جهتها تقوم شرطة الحدود الألمانية بوضع طالب اللجوء مؤقتا في مركز الاحتجاز بمنطقة العبور الدولية، حسب مقتضيات قانون اللجوء الألماني الذي يمنع ترحيل شخص يطلب اللجوء قبل تمكينه من فرصة دراسة ملفه من قبل المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين وإمكانية استخدامه حق الطعن أمام القضاء في قرار المكتب، وتتدخل منظمات إنسانية لمساعدة اللاجئين في هذه الحالات. وحسب منظمة " كارتياس" الإنسانية فإن 50 في المائة من طالبي اللجوء الوافدين من بلدان المغرب العربي عبر مطار فرانكفورت العام الماضي، رحلوا فورا إلى بلدانهم إثر رفض طلبات اللجوء، وذلك على غرار الذين تضبطهم شرطة الحدود أثناء محاولة التسلل عبر الحدود البرية. 
وقد تعرضت هذه الإجراءات إلى انتقادات من قبل منظمات حقوق الإنسان، لكن غونتر بكشتاين، رئيس وزراء ولاية بافاريا ووزير داخليتها السابق، يرد على تلك الانتقادات ، وقال في تصريح سابق ل" دويتشه فيله" :
"أنا أومن بسلامة تلك الإجراءات وفعاليتها في الحد من ظاهرة الهجرة غير الشرعية، مع وجود استثناءات تتعلق ببعض الحالات الإنسانية وطالبي اللجوء السياسي، وإلا فما فائدة إدخال أنظمة التدقيق والتفتيش المكثفة إذا كنا سنسمح لكل من أراد الدخول إلى ألمانيا بصورة غير شرعية أن يبقى فيها، ولذلك فإنني أرى ضرورة ملحة في ترحيل فوري لكل من يتم ضبطه وهو يحاول الدخول بصورة غير قانونية". 
أما الذين لا يرحلون من المطار فلا يعني أن طلبات لجوؤهم قبلت، بل يتم نقلهم إلى مراكز خاصة باستقبال اللاجئين، لمواصلة إجراءات البحث في مدى استحقاقهم اللجوء وذلك على غرار فئات أخرى من الذين يلقى عليهم القبض في عمليات مراقبة أو يتقدمون تلقائيا بطلبات لجوء. 
وتوجد في ألمانيا شبكة واسعة تضم مئات من مراكز استقبال اللاجئين ورعايتهم اجتماعيا وتمنح لهم فيها المسكن والأكل ومساعدة مالية بسيطة، وتحرص السلطات على إدماج المهاجرين غير الشرعيين في هذه المراكز، كي يتسنى لها تصنيفهم في وضع قانوني معين، وفي غالب الحالات باتجاه ترحيلهم إلى بلدانهم الأصلية أوالبلد الأوروبي الذي جاؤوا منه. 

شبح الترحيل

دانييل كوهين بنديت النائب الألماني في البرلمان الأوروبي 

يشكل المغاربيون نسبة تتراوح بين 30 إلى 40 في المائة من مقدمي طلبات اللجوء في دوائر الأجانب ومراكز استقبال اللاجئين بولايتي هيسن وشمال الراين- وستفاليا. وانطلاقا من مؤشرات أعداد الذين أوقفتهم مصالح شرطة فرانكفورت، في إطار عمليات التفتيش وحملات المراقبة، فإن الجزائريين والمغاربة يأتون في المرتبة الثالثة والرابعة بعد الهنود والأتراك وغيرهم من الرعايا غير الأوروبيين. وتتولى دائرة الأجانب في كل ولاية استقبال طالب اللجوء وإيوائه، أما قرار منحه حق اللجوء أو رفضه فيعود للمكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين.
وتواجه المهاجر المغاربي غير الشرعي صعوبات عديدة من أبرزها اللغة وانعدام الإمكانيات المالية والانقطاع عن عائلته وبلده وضعف تواصله مع مكونات المجتمع الألماني سوى ببعض المنظمات الإنسانية، لكنه يستمر في خوض صراع مرير وسط غابة من الأنظمة القانونية المعقدة، من أجل الاستفادة من ميزات قانون اللجوء كي يتسنى له الحصول على حق البقاء أطول فترة ممكنة، وتفادي الترحيل. وتستغرق إجراءات "حق اللجوء" فترات تمتد من بضعة أشهر إلى سنوات، لكنها بأي حال لا تكسب صاحبها وثائق إقامة دائمة وشرعية في ألمانيا.
ولم يحمل أحدث تعديل لقانون الأجانب الألماني صدر في يوليو تموز 2007، فرصا تذكر للمهاجرين المغاربيين غير الشرعيين للاستفادة من إجراءات السماح لحاملي وثائق "حق البقاء" المؤقت بالحصول على إقامة شرعية ، بينما استفاد منها على الخصوص عشرات الآلاف من اللاجئين الوافدين من العراق والبلقان.
ويعتقد النائب الألماني في البرلمان الأوروبي عن حزب الخضر، دانييل كوهين بنديت، أن الإجراءات القانونية الجديدة غير منصفة بحق المهاجرين غير الشرعيين، وأوضح بينديت ل"دويتسه فيله":
" كان يجب منح كل الموجدين حالياً في ألمانيا إقامة شرعية للبقاء، وأرى أن حجة السلطات غير معقولة عندما تقول أن اللاجئين يشكلون عبئاً على النظام الاجتماعي. وهناك بعض النقاط غير مفهومة، فمثلاً التلاميذ الذين تم إدماجهم بنجاح في النظام التعليمي الألماني ووصلوا إلى سن الرابعة عشرة لهم الحق في الحصول على إقامة دائمة،أما أهلهم فليس لديهم الحق نفسه! أريد هنا أن أعرف طريقة تفكير واضعي مثل هذه القوانين، كيف يمكن فعلياً فصل الأطفال عن أسرهم. فهذه كلها أمور لا تعقل ولكن في المقابل لا توجد ريح معارضة لوقف هذه المهازل".

صراع من أجل البقاء 

في صراعهم من أجل البقاء في ألمانيا ، يتوخى المهاجرون غير الشرعيين وسائل عديدة ومنها البحث عن شريكة حياة ألمانية، كسبيل للحصول على وثائق إقامة، لكنها تظل تجارب محفوفة بالفشل لأسباب متنوعة. 
وعندما تتقطع بالمهاجرين غير الشرعيين السبل القانونية، يتجهون للحياة في الظل (خارج القانون)، لكنهم يظلون تحت وطأة الترحيل في أي وقت، عندما يلقى عليهم القبض في عمليات المراقبة. وما يثير قلق مصالح الشرطة الألمانية هو ارتفاع نسبة الموقوفين منهم بسبب ارتكابهم مخالفات وجرائم. كما لوحظ وجود نسبة 20 في المائة من المحتجزين المغاربيين على ذمة الترحيل في سجن بيرن في ولاية شمال الراين- وستفاليا، الذي يشكل فيه رعايا بلدان شمال إفريقيا 40 في المائة من عدد المحتجزين ويناهز عددهم الإجمالي سنويا ثلاثة آلاف.
****************************************************
"المحاربة": رؤية سينمائية مفزعة عن اليمين المتطرف في ألمانيا
حقق المخرج الألماني الشاب دافيد فنينت فيلماً عن موضوع الساعة في ألمانيا بعنوان "المحاربة". ويتيح الفيلم للمشاهد الدخول بعمق في العالم المُفزع لليمين المتطرف في الجزء الشرقي من ألمانيا. 

ماريسا - بطلة فيلم "المحاربة"
لو كان فيلم "المحاربة" قد عُرض قبل شهور قليلة، لأصابته سهام النقد وربما قيل إنه يبالغ في تقديم صورة نمطية لليمين المتطرف في ألمانيا. غير أن الواقع اليميني تجاوز الخيال السينمائي، وهو ما يجعل الأنظار تتجه إلى هذا الفيلم وصانعه، لا سيما أن الفيلم قد حاز حتى الآن على عدة جوائز دولية ومحلية بعد عرضه في عدة مهرجانات، كان أولها مهرجان ميونيخ السينمائي الدولي. وفي مطلع عام 2012 سيعرض الفيلم في صالات العرض الألمانية.

رموز نازية واعتداءات عنصرية

يحكي الفيلم حكاية الشابة ماريسا، وهي مراهقة تعيش في الريف الألماني الشرقي، وتربطها صداقة متينة مع مجموعة من الأصدقاء الشبان من الوسط اليميني المتطرف. تحيا ماريسا مع أصدقائها حياة ملؤها الكراهية والعنف تجاه الأجانب، لا تجمعهم سوى الحماسة للأفكار والرموز النازية. وبعد شجار مع لاجئين من أفغانستان، تفقد ماريسا السيطرة على أعصابها وتصدم شابين بسيارتها وتصيبهما إصابة غير مميتة. ما يحدث بعد ذلك من الممكن أن نطلق عليه عملية تطهير نفسي، إذ أن ماريسا تسعى لتقديم يد العون للشابين، بل وتساعدهما على الهرب إلى السويد. 

مشهد من فيلم "المحاربة"

قبل سنوات عديدة قام المخرج دافيد فنينت برحلة إلى القسم الشرقي من ألمانيا. كان هدفه من الرحلة هو تصوير المصانع المهجورة التي توقف العمل بها. خلال رحلته، يقول المخرج، قابل شباناً عديدين من اليمين المتطرف. "في قرى شرق ألمانيا يلح على المرء الانطباع بأن التطرف اليميني ظاهرة جماهيرية. هذا شيء أصابني بالرعب، غير أنه أثار اهتمامي أيضاً"، كما يقول المخرج. ولهذا بدأ فنينت بإقامة اتصالات مع يمينيين متطرفين، وخاصة مع شابات، إذ أن اللافت هو تزايد نسبة النساء في اليمين المتطرف في الآونة الأخيرة. 

صورة شديدة الواقعية

يقدم فنينت صورة واقعية لاجتماعات الشبان المتطرفين، مظهراً إياهم وهم يشربون الخمر ويغنون الأغاني التمجيدية للنازيين أو يشاهدون أفلام البروباغندا النازية القديمة. ويضم الفيلم مشاهد تظهر اعتداءات النازيين العنصرية على الأجانب في الترام أو في الشارع، كما يضفي المخرج سمات شخصية على أبطاله، فيرى المُشاهد البيئة التي كبروا فيها، ويشعر بما يسيطر على الآباء والأمهات من عجز. كل هذا يُكسب الفيلم ملامح واقعية تجعل المشاهد يصدق ما يراه. الشيء الوحيد الذي يثير تساؤلات لدى المشاهد هو الكيفية التي حدث بها تقارب بين ماريسا والشاب الأفغاني - إذ ما الذي يجعل الشاب يلجأ للفتاة التي حاولت دهسه تحديداً باحثاً عن المساعدة؟ يظل المشاهد يبحث عن إجابة عن هذا السؤال حتى نهاية الفيلم، ولكن دون جدوى. الشيء نفسه ينطبق على تحولات ماريسا التي لا تبدو مقتنعة من الناحية النفسية.


بالرغم من أوجه القصور هذه فإن فيلم "المحاربة" يهز المشاهد من الأعماق. نجح المخرج في مسعاه في تقديم فيلم يسلط الضوء على اليمين المتطرف، ولكن بدون أن يتحول "المحاربة" إلى فيلم تربوي تعليمي، كما نجح فنينت في تقديم صورة واقعية عن هذا الوسط المرعب ولكن دون أن ينزلق إلى الصور النمطية. ينجح الفيلم في تقديم تفسير لأشياء تستعصي على التفسير، مثل: لماذا تنتشر معاداة الأجانب في الجزء الشرقي من ألمانيا؟ لماذا يهجر الشبان منازل آبائهم ويقبلون على الأفكار العنصرية؟ لماذا يقبلون على وشم أنفسهم بالرموز النازية؟
في فيلمه يقدم فنينت إجابات عديدة على تلك الأسئلة. الفيلم يسلط الضوء على المشاكل المنتشرة في الشرق مثل البطالة وانسداد الآفاق وقلة الفرص أمام الشبان، كما يظهر الفراغ الإيديولوجي الذي انتشر بعد سقوط جدار برلين وأثر ذلك في انتشار الأفكار المتطرفة. كل هذه الإجابات ليست جديدة، 
غير أنها مقنعة، لا سيما وأن المخرج نجح في تقديمها في شكل درامي جذاب - مفزع في واقعيته.

أحداث من صميم الواقع
يتميز فيلم "المحاربة" بوصفه الدقيق للحياة اليومية التي يعيشها شباب اليمين المتطرف، سواء في مقابلاتهم اليومية أو الحفلات الليلية الصاخبة، حيث ينشدون، وهم في حالة سكر، أغانيهم النازية أو يشاهدون أفلاما قديمة للدعاية الزائفة التي كان النازيون في عهد هيتلر يوظفونها لأغراضهم السياسية العنصرية.
الفيلم يصور أيضا أحداث السطو والاعتداء التي يشنها النازيون على بعض الأجانب، وكذلك بعض المضايقات اليومية الأخرى التي يعيشها المهاجرون في شرق ألمانيا. أحداث الفيلم تعطي أيضا نبذة عن الحياة الشخصية لهؤلاء الشباب وسط مجتمعهم، وبالخصوص علاقتهم بأهلهم وآبائهم. ومن الواضح أن الآباء عاجزون أمام تهور أبنائهم، ويواجهون صعوبة كبيرة في التعامل مع أبنائهم. تسليط الضوء على الحياة الشخصية لأبطال الفيلم يجعل الأحداث أكثر واقعية ويعطيها مصداقية أكبر. ولكن نقطة التحول الكبرى في الفيلم تبعده شيئا ما عن الواقعية. فمن الصعب تصور أن الشاب الأفغاني الذي صدمته ماريسا عمدا بسيارتها يحاول التقرب منها ويطلب مساعدتها. وهذا اللغز يستمر حتى النهاية، مما يضيف للفيلم المزيد من الإثارة والتشويق. وكذلك رجوع ماريسا إلى طريق الصواب يجعل المشاهد يغوص في عالم اليمين المتطرف و يدفعه إلى التفكير في كيفية الخروج منه.

ورغم الاعتراضات والاحتجاجات التي قوبل بها فيلم "المحاربة" بفعل بعض المشاهد الصادمة، إلا أنه يشد المشاهد بشكل كبير، ويجعله أكثر وعيا بهذه الظاهرة الخطيرة. وهذا كان هو أحد أهداف مخرج الفيلم فنيندت. فهدف الفيلم حسب رأيه هو تنوير الرأي العام من خلال أحداث شبه واقعية، ولكن دون الاعتماد على الصور النمطية السائدة أو تكريسها. فالفيلم يحاول فقط شرح الظاهرة أو بالأحرى كشف سبب ولوج بعض الشباب عالم اليمين المتطرف، وذلك من خلال نموذج بعض مناطق ألمانيا الشرقية، حيث العداء إلى الأجانب في تزايد مهول. الفيلم يحاول أيضا الإجابة على بعض الأسئلة العالقة والصعبة: لماذا يترك هؤلاء الشباب بيوتهم؟ لماذا ينقشون وشم الرموز النازية على أجسادهم ويرددون أغاني عنصرية؟ ما الذي يدفعهم إلى الانحراف ؟ ولماذا تنتشر العنصرية بالضبط في شرق ألمانيا؟

مستقبل غامض وآفاق مسدودة
أجوبة المخرج فنيندت على هذه الأسئلة ليست بالجديدة، ولكنها أكثر صراحة، وتصب في لب الموضوع. فالآفاق المسدودة والمستقبل المتشائم هو الذي يدفع هؤلاء الشباب إلى الانحراف والتطرف. فارتفاع نسبة البطالة والفراغ الفكري هي من الدوافع الأساسية لتبني هذه الأفكار النازية. بالإضافة إلى دور الآباء الذين يجدون أنفسهم مكبلي الأيدي أمام مشاكل أبنائهم. وفي غياب الرعاية الكافية ومراقبة الدولة يصبح العنف وسيلة لفرض النفس كرد فعل على المشاكل الاقتصادية والاجتماعية المنتشرة في شرق ألمانيا. وبهذا فإن أجوبة فيلم " المحاربة" ليست بالمفاجئة أو الجديدة، ولكنها تعطي صورة أكثر واقعية، وجد ملموسة من خلال نماذج حية. وهذا ما يحمل في طياته قوة إقناع كبيرة، من شأنها أن تزيد في التحسيس والتنوير بشأن أخطار هذه الظاهرة.


 ولكن فنيندت يخشى ظاهرة أخرى قد تكون أكثر خطورة حيث يقول:" مواضيع وأفكار اليمين المتطرف أصبحت تجد طريقها إلى الأوساط الاجتماعية العادية." وهذا ما قد يهدد السلم الداخلي، وبالتالي يؤدي إلى فقدان الثقة في النظام الديمقراطي. وهذا ما تؤكده بعض الأرقام، إذ أن ما يعادل نصف سكان ألمانيا الشرقية ليسوا على قناعة بأن الديمقراطية هي النظام المثالي. وحتى بعض الأشخاص الذين "لا يعتبرون" أنفسهم من أنصار اليمين المتطرف تجدهم يتصرفون بعداء ضد الأجانب، ويضيف فنيندت" خاصة في بعض الأحياء التي يقطنها عدد قليل من الأجانب، تجد هناك بعض المواقف العنصرية."
وهكذا استطاع ديفيد فنيندت من خلال أول فيلم له " المحاربة " أن يحط الأصبع على الجرح، وأن يواكب نقاش اللحظة. فقصة الفيلم هي قريبة من موضوع الجدل القائم حاليا في ألمانيا حول خطورة اليمين المتطرف. وهذا ما يجتذب للفيلم جماهير واسعة داخل قاعات السينما، وبالتالي أرباحا كبيرة. وهو الشيء الذي قد يجعل المخرج الشاب يشعر بالسرور والافتخار، ولكن أحداث الفيلم تبقى صادمة ومثيرة للخوف في بعض الأحيان. 

**********************************
www.myspace.com/.../stop-racism-in-germany/...germ...14. Juli 2008 - 42 Sek.
HERE WE SEE GERMAN POLICE ABOARD THE AMBULANCE PREVENTING AN AFRICAN AMERICAN ...

**********************************
ألمانيا تعترف رسميا ولأول مرة بتعقب أوساط يمينية متطرفة معادية للإسلام 

ألمانيا تعترف رسميا ولأول مرة بتعقب أوساط يمينية متطرفة معادية للإسلام


اعترفت النيابة العامة الألمانية رسميا ولأول مرة بأن السلطات الأمنية المختصة تتعقب أوساط يمينية متطرفة بتهمة العداء للإسلام محذرة من أن هذه الأوساط لا تخالف بممارساتها القوانين الأساسية الألمانية فحسب بل تستند في ممارساتها المعادية لهذا القوانين إلى "طاقة إجرامية".
وقال مدير دائرة مكافحة الجريمة في ولاية هامبورغ في تصريحات لصحيفة (برلينر تسايتونغ) أن دائرته والدوائر المختصة الأخرى في كافة الولايات الألمانية (16) "تعمل منذ اشهر وبانتظام على مراقبة أوساط معادية للإسلام" قائلا أن عمل السلطات الألمانية "يركز على مراقبة شبكة من المواقع في الانترنت وعلى نشاطات هذه الجماعات التي لا تبدو للوهلة الأولى وكأنها ليست معادية لأحد".
وأضاف أن مهام السلطات تتمثل في تعقب أوساط لا تخفي عدائها للقوانين الألمانية ودولة القانون متطرقا إلى مثال موقع الكتروني يحمل اسم (نورنبرغ 2.0) بالقول أن هذا الموقع يهدد أعدائه ب (يوم الحساب) الذي سيشهد، وفق الموقع، الاستيلاء على السلطة بالقوة في ألمانيا ومحاسبة "جميع الأعداء" في إشارة منه إلى المسلمين.
وبين المسؤول أن السلطات ا تستند في تحرياتها إلى المادتين الأولى والرابعة من القانون الأساسي الألماني مشيرا إلى أن المادة الأولى تعتبر المساس بكرامة الإنسان شيئا محرما بينما تحرم المادة الرابعة المساس بحرية ممارسة المعتقد الديني.
وقال أن الجهات الألمانية تلاحظ أن مواقع الجماعات اليمينية المتطرفة تعتبر المسلمين لا يخضعون لهذه القوانين ويمكن استثنائهم منها.
وعن موقع يحمل اسم (بي.اي) وشعارات يطلقها هذا الموقع مثل (غادر الإسلام أو ارحل) يذكر المسؤول أن وضع مثل هذه المواقع تحت المراقبة يحتاج إلى مزيد من الدلائل على استعداد المسؤولين في هذا الموقع لاستخدام العنف ومخالفة القوانين الأساسية قائلا " تحذير موقع ما على سبيل المثال من حرب أهلية في ألمانيا والتحذير منها هو بالفعل تشجيع على هذه الحرب" الأمر الذي يعتبر سببا لاعتبار هذا الموقع مخالفا للقوانين الألمانية.
وأوضح المسؤول الألماني مستشهدا بموقع ينشر على صفحاته مخاطبات للألمان مثل "انهضوا من مقاعدكم واخرجوا إلى الشارع واحملوا الأسلحة إذا لم تنفع الأدوات الأخرى" معتبرا ذلك نداء واضحا لاستخدام العنف وبالتالي مخالفة القوانين الألمانية.
وعما إذا كانت السلطات الألمانية تواجه صعوبات في مواجهة خطر هذه الجهات ومواقعها لأنها لا تعتبر نفسها معادية للسامية بل مؤيدة لإسرائيل وللغرب قال المسؤول أن السلطات الألمانية تعكف على دراسة هذه الظاهرة مستشهدا بموقع (بي.اي) الذي يعلن من جهة انه يعارض حظر الحزب القومي الألماني المعادي علنا للسامية ولإسرائيل وفي الوقت ذاته يعلن الموقع رسميا انه يؤيد إسرائيل في إشارة من المسؤول إلى الصعوبة التي ترافق مهام دوائر مكافحة الجريمة والحيرة التي تكتنف عمل السلطات الألمانية.
يذكر أن تجدد النقاش حول معاداة الإسلام في ألمانيا يأتي على خلفية فضيحة كشف السلطات الأمنية في نهاية العام الماضي عن تورط إرهابيين يمينيين في مقتل ثمانية مواطنين أتراك ويوناني وشرطية ألمانية وذلك بين عامي 2000 و 2007 وانطلاقا من دوافع معاداة الأجانب.

الرئيس: لن نتسامح مع العداء للأجانب والإسلام جزء من البلاد



أكد الرئيس الألماني كريستيان فولف إن بلاده لن تتسامح مع ظاهرة العداء للأجانب. وأوضح فولف خلال اللقاء السنوي مع الوفود الدبلوماسية بمناسبة العام الجديد في برلين، أمام أكثر من مائتي سفير يمثلون مختلف بلدان العالم "نسعى في بلادنا إلى محاربة العداء للأجانب والعنف، والتطرف السياسي، وهي أشياء لن نتسامح معها".
وأكد الرئيس أن بلاده تلتزم بسلامة وحرية كل المواطنين، وستظل مجتمعا منفتحاً ومتسامحاً، وأن "الإسلام يعتبر جزءًا من ألمانيا".
يأتي هذا الموقف على خلفية كشف النقاب، في مطلع الشهر الماضي عن مسؤولية خلية من النازيين الجدد، مكونة من ثلاثة أفراد، وعرفت باسم "خلية تسفيكاو"، عن تنفيذ سلسلة جرائم قتل بحق تسعة أشخاص من أصول أجنبية، إضافة إلى شرطية ألمانية في الفترة بين عامي 2000 2006.
كان كريستيان فولف أكد في تشرين الأول/أكتوبر من عام 2010 على أن الدين الإسلامي جزء من الثقافة الألمانية، مما أثار في حينه جدلاً حول موضوع اندماج الأجانب في ألمانيا.

ألمانيا تسمح للأجانب العمل في الوظائف الحكومية



أعلنت الحكومة الألمانية انه ابتداء من 1 يناير من عام 2012 المقبل سيتاح الفرصة للأجانب العمل في الدوائر الحكومية. وعزت الحكومة الألمانية قرارها إلى أنها ترى أنه على الدوائر الحكومية أن يكون فيها أجانب للحفاظ على سمعتها بأنها بلد التسامح والانفتاحية على الثقافات وبإمكان كل أجنبي العمل بالدوائر الحكومية شرط امتلاكه مؤهلات علمية ومهنية تتيح له العمل في هذا الدوائر إضافة إلى استعداده على تحمل مسئولية العمل والمهام . 
وأعلنت الحكومة أنها قامت بتوجيه قرار إتاحة العمل للأجنبي بالدوائر الحكومية إلى دوائر العمل إضافة إلى الدوائر الحكومية نفسها إلى جانب عدم وضع أي شروط مجحفة لحصول الأجنبي على عمل يناسب المهنة العلمية والعملية التي يتحملها التي أيضا تكون الدوائر بحاجة إليها .

أسوأ أيام الملك الحسن الثاني





كلما اتسعت دوائر التقصي أو نطق أحد الصامتين أو تم العثور على وثيقة أو معلومة جديدة كشف فيها عن تصريح، يتبين من جديد أن خبايا تاريخ المغرب المعاصر مازالت خفية، لم تعرف بعد كاملة.
ففي منتصف صيف 1971، كان المغرب الشعبي في أوج غليانه، وكانت قواه الحية التواقة إلى تغيير جذري توحدها فكرة واحدة: تنحية الملكية من المغرب وتعويضها بنظام آخر!
آنذاك، وبالضبط يوم 10 يوليوز، بعد إحياء سهرة فنية ضخمة في ليلة التاسع منه، قام بتنشيطها عمالقة الأغنية العربية وقتئذ، استقبل الملك الراحل الحسن الثاني ضيوفه بقصر الصخيرات في أجواء صيفية رائقة، قوامها المرح والمتعة وتقديم صنوف الأكل وغيرها من مظاهر البذخ. 
احتل المدعوون حدائق القصر، حيث كل شبر من بساطها الأخضر المؤثث بأشجار الميموزا والأوكاليبتوس المستورد من استراليا. أكثر من ألف ضيف، جلهم بزي صيفي خفيف تبعا للتعليمات الواردة في الدعوات التي توصلوا بها، بلسان العرب ولغتي موليير وشكسبير. كل الشخصيات الوازنة، المغربية والأجنبية، المتواجدة آنذاك على التراب الوطني، كانت حاضرة ذلك اليوم بقصر الصخيرات لمشاركة الحسن الثاني احتفالات عيد ميلاده 42. منهم بورقيبة الابن، لوي جوكس، جاك بونوا ميشان، الراقص المشهور وقتئذ جاك جازو، الأستاذان "تورين" و"دوجين"، تاجر المجوهرات ذائع الصيت "شومي"، الدكتور "دوبوا روكبير" وآخرون من رجال السلك الديبلوماسي ورجال الأعمال وغيرهم. 
لحظتئذ، وحده الملك الحسن الثاني كان جالسا إلى مائدة الأكل بصدد تذوق "لانكوست" ضخمة اختيرت بعناية كبيرة من طرف أحد اليهود القائمين على تحضير الأطباق الرفيعة ذلك اليوم.
كانت عقارب الساعة تشير إلى الثانية و8 دقائق زوالا، حسب أكثر من شاهد عيان.. من قلب أنغام قطعة موسيقية صامتة كانت تعم الأجواء، دوت طلقات الرصاص وانفجارات قنابل يدوية.. توقفت الفرقة الموسيقية عن العزف.. سقط فرنسي وتهاوى سفير بلجيكا على الأرض جثة هامدة... تناثرت القنابل في مختلف أرجاء الفضاءات الخارجية لقصر الصخيرات.. جثث "لي كادي" (مساعدو لاعبي الغولف المكلفين بلوازم اللعبة) منتشرة على البساط الأخضر هنا وهناك.. مئات الضيوف هرعوا مذعورين فوق الرمال الذهبية موَلِّين ظهورهم إلى شاطئ المحيط الأطلسي الذي كان هادئا ذلك اليوم...
أكثر من ثلاث ساعات من الفوضى والهمجية أبطالها جنود أغرار، على رأسهم الليوتنان كولونيل امحمد عبابو، الذي طلب من مرافقه الأمين، العملاق عقا تخليصه مما كان ينتظره بإطلاق رصاصة الرحمة عليه بعد إصابته البليغة بالمقر العام للقوات المسلحة... ليسدل الستار على انقلاب الصخيرات.
نهاية الانقلاب جاءت بطريقة غريبة، ظل يلفها الكثير من الغموض، حيث أثار ضجيجا كبيرا لكنه لم ينجح في الوصول إلى المستهدف الأول: الملك، وذلك رغم خطة تدبيره في الخفاء من طرف 5 جنرالات، حسب المصادر البريطانية.
توقف إطلاق النار بحلول الساعة الخامسة زوالا.. سلم الملك الراحل الحسن الثاني كافة السلط العسكرية والمدنية لرجل ثقته وقتئذ، الجنرال محمد أوفقير، ليبدأ مسلسل القمع الدموي وتصفية الحسابات، الظاهر منها والمستتر... كل هذه الأمور وغيرها معروفة، تناولتها جهات وطنية وأجنبية، إلا أن بعض مناطق الظل ظلت في حاجة إلى المزيد من التوضيح، ومنها الدور الذي لعبته وقفة قافلة الانقلابيين ببلدة بوقنادل والكشف على أن الأمر يتعلق بالقيام بانقلاب عسكري مع علم جهات أخرى بالتخطيط له، وعلى رأسها المخابرات الإسرائيلية (الموساد)، وغيرها من التساؤلات.
يحاول ملف هذا الأسبوع الإحاطة بكل القضايا المتعلقة بهذه المسألة، معية الكاتب محمد لومة صاحب مؤلفات اعتنت بأحداث ووقائع وجَّهت تاريخ المغرب الحديث نحو الوجهة التي سار فيها.

"لحلاسة راها تقلبات.. اجمع حوايجك" ( الحصير قد تنقلب اجمع متاعك)


من بين النوازل، التي تبين بجلاء أن الجنرال محمد أوفقير كان على علم بحدوث انقلاب الصخيرات قبل وقوعه، ما حدث بسجن بولمهارز بمراكش.
يوم حصول المحاولة الانقلابية الفاشلة بالصخيرات كان كل من سعيد بونعيلات وأحمد الفرقاني بسجن بولمهارز، ممنوعين من الاتصالات المباشرة فيما بينهما، إلى جانب اليازغي وآخرين. وفي يوم 10 يوليوز 1971، كان الفورقاني يقوم بفسحته اليومية بساحة السجن، وكان كلما اقترب من زنزانة سعيد بونعيلات إلا وحاول التواصل معه خلسة لمعرفة ما لديه من أخبار ومستجدات، فقال له بونعيلات بالأمازيغية : "اليوم لحلاسة راها تقلبات"..
أكمل الفورقاني جولته قصد الاستفسار عن الأمر، فقال لبونعيلات: "أش من حلاسة تقلبات؟!"، فأجابه: "لحلاسة راها تقلبات اجمع حوايجك"..
حسب محمد لومة، في ليلة 10 يوليوز 1971، اتصل أحد الذين تربطهم علاقات عائلية قوية بالجنرال أوفقير (يسمى على أوفقير، وكان يعمل بإحدى الأجهزة الأمنية وغالب الظن في "السيمي")، بأحد سجناء سجن بولمهارز، وقال له: "اجمعوا حوايجكم، غدا راه غادي توقع شي حاجة كبيرة ومهمة إن شاء الله، وراه غادي تلتحقو بديوركم".
ويضيف محمد لومة، لم يكن على أوفقير هذا سيقوم بما قام به دون تعليمات صادرة عن الجنرال 
أوفقير.
لكن في مساء يوم 10 يوليوز، لما اتضح فشل المحاولة الانقلابية، قرر الجنرال تصفية كل سجناء سجن بولمهارز الاتحاديين. آنذاك كان بلغازي، مديرا لهذه المؤسسة السجنية، وهو مقاوم سابق بارز، على علاقة ببعض المقاومين وأعضاء جيش التحرير النزلاء بسجنه، ولاحظ أن هناك فرقة من البوليس، كل عناصرها من عين الشعير (بلدة الجنرال أوفقير) مسلحين بالرشاشات، وكان قد فهم من حديثهم أنهم يخططون ذلك اليوم لكيفية تنفيذ التعليمات الرامية إلى التصفية الجماعية للمعتقلين الاتحاديين (عددهم 172)، فقام المدير المذكور برمي مفاتيح الزنازن داخل زنزانة أحد السجناء واتجه على الفور إلي مكتب وكيل الملك بمراكش فأخبره بقرب وقوع مذبحة بالسجن الذي يديره، وشرح له أن هناك عناصر مسلحة، غرباء عن المؤسسة، أرسلهم الجنرال أوفقير للقيام بقتل السجناء الاتحاديين.
وحسب محمد لومة، كما خطط الجنرال أوفقير لمسح آثار الجنرالات يوم 13 يوليوز (بتصفيتهم بدون محاكمة)، أراد كذلك أن يمحو ذاكرة 172 معتقلا بسجن بولمهارز بمراكش كشهود على علمه بحدوث الانقلاب قبل وقوعه. ولولا لطف الله ومبادرة مدير السجن، لحصلت مذبحة بهذا السجن، أفظع من مذبحة قصر الصخيرات.
وهذه الرواية الأخيرة تناقض الرواية القائلة بأن تلك العناصر حضرت إلى السجن لتكون على تأهب من أجل إطلاق سراح المعتقلين الاتحاديين وليس لتصفيتهم، كما تم الاعتقاد بذلك.

عبد الرحيم شجار

في اتصال بعبد الرحمان شجار أحد المعتقلين ضمن "مجموعة 172" بسجن بولمهارز، صرح للجريدة بأن خبر اندلاع انقلاب 1971 توصلوا به من طرف المرحوم محمد الحبيب الفرقاني، الذي علم به عن طريق، مدير السجن آنذاك، المقاوم بلغازي.
وعليه لم يتم تنقيلهم يوم العاشر من يوليوز إلى المحاكمة التي كانت أطوارها تدور بمحكمة باب دكالة.
وأكد أن التحليل الذي ساد يومها في أوساط المعتقلين إثر تواجد عدد كبير من أفراد الجيش والمخابرات والشرطة داخل السجن، رغم عدم علاقتهم بإدارة السجون، بأنها حركة يراد بها تخليص السجناء تمهيدا للاتصال بقيادتهم في الخارج، وذلك من أجل إضفاء المشروعية السياسية على واقع الانقلاب، علما أن هذه الرواية تناقض الرواية الأخرى القائلة إن فرقة الأمن التي تتكون عناصرها من منطقة عين الشعير جاءت إلى سجن بولمهارز، بأمر من الجنرال أوفقير لتصفية المعتقلين الاتحاديين، كونهم علموا بأن الجنرال المذكور كان على علم بالإعداد لانقلاب الصخيرات.
وفي هذا الصدد أكد لنا محمد لومة أن اعبابو وجماعته كانوا يتخوفون من أن يسبقهم الاتحاديون بخصوص تغيير النظام بالمغرب، لذا قال لرجاله :" إن أولئك الناس يفكرون في الهجوم، علينا أن نسبقهم ونمنح للمحكومين منهم العفو بمراكش".

لماذا لم يسقط الكثير من اليهود ضحايا بالصخيرات؟

لازال البعض يتساءلون باستغراب عن عدم سقوط الكثير من الشخصيات اليهودية يوم 10 يوليوز 1971 ضمن ضحايا قصر الصخيرات، فهل كان جهاز المخابرات الإسرائيلية (الموساد) على علم مسبق بالحركة الانقلابية قبل وقوعها؟
لم يسقط بقصر الصخيرات سوى يهودي واحد، هو ماكس مانيان، مدير شركة "كوزيمار" (معمل السكر بالدار البيضاء)، كما أصيب يهوديان آخران بجروح طفيفة.
علما أن أكثر من جهة أكدت مرارا أن الموساد كان على علم بكثير من الأسرار بخصوص العملية الانقلابية وغيرها من النوازل والمؤامرات، على الأقل لم يقم بإخبار اليهود المقربين من القصر الملكي والعاملين به، وهم كثر، إضافة إلى الضيوف المدعوين من اليهود، بعدم حضورهم ذلك اليوم أو على الأقل تنبيههم!!؟
فاليهود هم الذين كانوا وقتئذ يؤطرون الحفلات والمأكل والمشرب بقصر الصخيرات، ومن هؤلاء شقيق شمعون ليفي، وزير الشؤون الخارجية الإسرائيلية، وهو صاحب مرقص "أمنيزيا" الكائن بشارع علال بن عبد الله بالرباط، والذي كان ولي العهد يقضي به بعض أوقات فراغه رفقة شلته في طور الشباب المبكر.

ومن المعلوم أن ترقية الأخوين محمد وامحمد اعبابو (الأول أصغر من الثاني بثلاث سنوات)، تمت في يوم واحد (3 مارس 1971) وذلك استعدادا للانقلاب، وهي ترقية مخدومة من طرف الجنرال المذبوح، كما أمر هذا الجنرال بزيادة تسليح مدرسة اهرمومو قبيل الانقلاب.
لقد تم اعتماد طريقة القيادة من فوق، فالجنرال المذبوح (الذي يعتبر قائد الانقلاب)، لم يجلس إطلاقا مع الكولونيل محمد اعبابو، وكان حواره دائما مع امحمد أخ المعني الأول.
وكان القبطان الشلاط، الذي وعد بالترقية آنذاك، وتحت إمرة هذا الأخير، حسب الأقدمية، القبطان بلكبير والقبطان غلول، وهما اللذان قادا القافلتين من اهرمومو إلى فاس ثم زكوطة فسيدي قاسم، إلى سيدي سليمان وسيدي يحيى، مرورا بالقنيطرة، وصولا إلى بوقنادل (على بعد بضع كيلومترات من مدينة سلا)، وهناك (ببوقنادل) تغيرت قيادة القافلتين، آنذاك رفعت أغطية الشاحنات ولُقِّمت الأسلحة وتم إخبار الجنود بالاستعداد للدخول إلى منطقة حرب، مما يعني وضع الأصبع على الزناد والاستنفار لإطلاق النار حال صدور الأوامر.

التصريح الذي ورط كل المتهمين

من أهم التصريحات التي كبلت المتهمين بقاعة المحكمة العسكرية الدائمة بالقنيطرة، ما أدلى به محمد اعبابو، شقيق امحمد اعبابو، مدير مدرسة اهرمومو، إذ جاء في محضر استنطاقه أن الجنرال المذبوح حدد بمعية شقيقه تفاصيل خطة الهجوم على القصر الملكي بالصخيرات، وعملا معا على ضمان تنسيق تحركات المجموعتين المتدخلتين في هذه العملية، كما توافقا على تعيين الأشخاص اللازم تصفيتهم وأولئك الواجب احتجازهم إلى حين النظر في حالتهم كل واحد على حدة، واتفقا أيضا بخصوص الضباط الغرباء عن مدرسة اهرمومو، الذين سيلتحقون بالعملية وهم:
- الليوتنان كولونيل القادري
- الكومندار المالطي
- الكومندار المنور
- الكومندار البريكي
- الكومندار الرياني (صهر المذبوح)
- الكومندار الحرشي
الكومندار مليس
وذلك من أجل أن يبرز للانقلابيين أن مختلف مكونات الجيش مشاركة في العملية.
وكان هؤلاء الضباط الغرباء ينتظرون القافلة ببلدة بوقنادل بلباس مدني صيفي خفيف، وبعد خلوة قصيرة مع امحمد اعبابو (داخل سيارة مدنية)، ارتدى كل واحد منهم اللباس العسكري وحملوا أسلحتهم، بما فيهم ضابط شرطة كان يرافقهم.
هذا ما أنكر علمه المرزوقي (صاحب كتاب تازمامارت/ الزنزانة رقم 10) في التحقيق، لكنه لم ينكره بعد نجاته من جحيم تازمامارت.
وفعلا، قلة جدا، هم الذين أقروا بأن امحمد اعبابو أخبر ضباطه ببوقنادل أن الأمر يتعلق بالقيام بانقلاب، ومن هؤلاء، إضافة إلى محمد اعبابو، عبد العزيز بين بين (نجل مؤنس الحسن الثاني) والذي أدلى في التحقيق بما يلي:
[...] تجمعنا حول الليوتنان كولونيل امحمد اعبابو وقال لنا: "أيها الضباط الشباب تعرفون، حق المعرفة، وضعية الضابط بقواتنا المسلحة [..] القيادة العليا قررت القيام بانقلاب.. علينا مهاجمة قصر الصخيرات على الساعة الواحدة زوالا.. وفي نفس الساعة ستتدخل وحدات في مدن أخرى.. سنقوم بمحاصرة القصر وعليكم إطلاق النار على كل من سيحاول الفرار...".
ويعترف محمد اعبابو منذ البداية أن شقيقه امحمد فاتحه مبكرا في الإعداد لمحاولة انقلاب لتغيير الوضع بالبلاد، إذ تشاور معه بخصوص الكمين الذي كان ينوي نصبه للموكب الملكي بضواحي إفران بمناسبة حضور الملك الحسن الثاني لمناورات الحاجب في غضون شهر أبريل سنة 1971، شهورا معدودة قبل انقلاب الصخيرات، وقد عمل محمد على تني أخيه عن المغامرة لعدم توفر شروط نجاحها. ومما يبين أن امحمد اقتنع بملاحظات شقيقه ما صرح به هذا الأخير، حيث قال:
" [...] حال وصولنا إلى فاس، هاتف أخي مدرسة اهرمومو وقال للقبطان بلكبير بصوت مرتفع: ".. التمرين المقرر قد ألغي نظرا لظروف الطقس السيئة.. لا تغادروا المدرسة لتجنب أخطار الحوادث..".
وجاء في تصريحات محمد اعبابو أيضا أن شقيقه امحمد حاول اقناعه بأنه التقى أكثر من مرة مع الجنرال المذبوح، آخرها بمدينة فاس، إذ نادى على "البلانطو" الذي كان يعمل بمنزله هناك، حيث قال محمد في المحضر:
"وجدت شقيقي وحده في منزله بفاس.. تناولت معه فنجان قهوة.. ثم نادى على "البلانطو" لحسن فسأله أمامي: "من كان جالسا على هذه الأريكة البارحة؟".
تردد لحسن، فأمره محمد بالإجابة، فنطق لحسن: "كان هناك الجنرال المذبوح...".
أما بخصوص النظام الذي كان يرغب الانقلابيون القيام به، يقول محمد اعبابو:
"من خلال الحوارات التي أجريتها مع شقيقي امحمد فيما بين 7 و10 يوليوز تبين لي أن الجنرال المذبوح كان ينوي إحداث نظام يرتكز على القوات المسلحة.. لذلك فكر في توسيع دائرة اختصاص وزارة الدفاع لتشرف على القوات المسلحة والدرك والقوات المساعدة والأمن [وكانت ستؤول إلى أخيه] [...] وكنت أنا مرشحا للاضطلاع بالقيادة العامة للجيش.. أما "مجلس الثورة"، فكان سيضم ضباطا يتم اختيارهم من الذين أثبتوا انخراطهم في قلب النظام..". 
ويضيف محمد اعبابو "يبدو أن اجتماعا أقيم بفيلا كان يملكها شقيقي بشاطئ "كابونيكرو" بالشمال، أسبوعا قبل الانقلاب، وربما تقرر كل شيء خلاله...".
وهذا ما أشار إليه كذلك، على بوريكارت في مذكراته، حيث كتب: "لقد علمت على لسان "لاجودان شاف" عقا أن أوفقير، أسبوعا قبل الهجوم على قصر الصخيرات، زار الكولونيل اعبابو رفقة الدليمي بفيلاته بـ "كابو نيكرو" شمال البلاد.
وجاء أيضا في محضر محمد اعبابو: "[..] خلال حوار شقيقي مع الجنرالات بمقر المكتب الثالث بالقيادة العامة وقع نظره على الكولونيل بنعيسى [الحرس الملكي] فالتفت إليه وقال: "موكولونيل".. مع الأسف أخبركم بموت رئيسنا، الجنرال المذبوح.." (ثم توجه إلى جميع الحاضرين) ".. نعم، الجنرال المذبوح هو رئيسنا، لكنه مع الأسف الشديد لقي حتفه..".
وجوابا على سؤال القاضي قال محمد اعبابو: "[..] عندما سلم شقيقي "السلطة" للجنرالات بمقر المكتب الثالث اتصل بي بعض الضباط الشباب، أذكر منهم أخليج والفكيكي وآخرين، حيث قالوا: "لقد قام شقيقك باقتراف حماقة كبيرة.. السلطة يجب أن تعود لنا نحن..".
وأضاف: "[...] آنذاك فكرت في الهروب وقررت استفسار شقيقي عن المكان الذي يخبئ فيه المال لأخذه وأغادر البلاد.. إلا أن الفرصة لم تتح لي..".
وبالرجوع إلى ما قيل بخصوص المحاولة الانقلابية الفاشلة، وما تم الكشف عنه من معطيات وإلى تقاطع جملة من التصريحات، ذهب مجموعة من المحللين إلى الاعتقاد بوجود خلاف بين الجنرال المذبوح والليوتنان كولونيل امحمد اعبابو، إذ كان الأول عاقدا العزم على اقتحام القصر الملكي وتجريد الحرس الملكي من السلاح ووضع اليد على الملك لدفعه إلى التخلي عن العرش وتسليم السلطة إلى "مجلس الثورة" المكون من ضباط شباب، أي القيام بانقلاب "نظيف" دون إراقة دماء. أما امحمد اعبابو فقد عقد العزم على اغتيال الملك وتهجير العائلة الملكية والإعلان عن إقامة نظام عسكري.
ويظل أحمد رامي الوحيد الذي يقر بأن محمد المذبوح تحدث مع الحسن الثاني بعد الهجوم على القصر وأخبره بأن لا مخرج إلا بالتخلي عن السلطة مع إمكانية اللجوء إلى فرنسا عبر الرباط أو الدار البيضاء.. وافق الملك ووقع كتابا بهذا الخصوص، وِجد بحوزة الجنرال المذبوح وهو جثة هامدة. وهذه النازلة لم تتم الإشارة إليها من قبل.

كيف تحرك 1400 جندي مدججين بالسلاح دون إثارة الانتباه؟

سؤال ظل يردده الكثيرون، كيف تمكن 1400 جندي من التحرك على امتداد مئات الكيلومترات دون إثارة انتباه السلطات العسكرية والمدنية ورؤساء المناطق العسكرية وعمال الأقاليم الأربعة التي اخترقوها آنذاك (1971)، كان:
- امحمد باحنيني وزير الدفاع بعد أن عوض الجنرال مزيان في 5 فبراير 1971.
- الجنرال المذبوح مدير الديوان الملكي.
- الجنرال محمد بلعالم الكاتب العام بوزارة الداخلية.
- أحمد الدليمي مدير الأمن الوطني.
- الكولونيل بولحمص قائد الدرك الملكي.
- الجنرال مصطفى أمحراش مدير المدارس العسكرية.
وكان على رأس المناطق العسكرية التي اخترقتها قافلة الانقلابيين كل من:
- الجنرال بوغرين : رئيس منطقة فاس - تازة.
- الجنرال عبد الحي بلبصير : رئيس منطقة مكناس.
- الجنرال حمو أمحزون : رئيس منطقة الرباط - القنيطرة.
وكان على رأس عمالات الأقاليم التي مرّت عليها القافلة كل من:
صلاح زمراك : تازة.
عمر بنشمسي : فاس.
عبد الله الشرقي : القنيطرة.
عبد السلام الوزاني : الرباط.
ضمن كل هؤلاء تأكد، بما فيه الكفاية، تورط كل من الجنرال المذبوح والجنرال أوفقير والجنرال بوغرين والجنرال حمو أمحزون.

ضحايا طالهم الإهمال

بعد انقلاب الصخيرات، مباشرة، أمر الملك الراحل الحسن الثاني بإحداث لجنة للقيام ببحث، بخصوص الأحداث الدامية بقصر الصخيرات، ولجنة لرعاية الضحايا وإحصاء أملاك وأموال المتمردين قصد مصادرتها لتمويل صندوق جديد يضطلع بتعويض الضحايا وذوي الحقوق.
فعلا تم إحداث هذه اللجنة بعضوية كل من وزارة الداخلية ووزارة الشؤون الإدارية ووزارة الشغل والتكوين المهني، غير أن قراراتها ظلت حبرا على ورق. آنذاك كان الجنرال محمد أوفقير عضوا رئيسيا في كل اللجن المحدثة بعد فجيعة الصخيرات.
يوم السبت 10 يوليوز 1971، ما بين الساعة الثانية والرابعة زوالا سقط الكثير من الضحايا من مختلف الشرائح، عسكريون ومدنيون، جنرالات، أطباء وموظفون سامون وفنانون وخدم وأناس بسطاء، كانوا يعيلون أسرا متعددة الأفراد، أغلب هذه الأسر عانت من ضيق اليد رغم أن أربابها سقطوا وهم في ضيافة الملك أو أنهم كانوا يزاولون مهامهم في القصر الملكي.
وزادت حسرة هؤلاء بعد تناسل موجات الكشف عن الحقائق بخصوص المحاولة الانقلابية الأولى الفاشلة واعترافات المشاركين فيها بعد نجاتهم من جحيم تازمامارت، ويجمع ضحايا الصخيرات أن الدولة تناستهم وتخلت عنهم، وتجاهلت الحكومات المتتالية مطالبهم، بل إن حكومة عبد الرحمن اليوسفي لم تحترم مشاعرهم.
كما ظلت أسر ضحايا الصخيرات تعتبر أن منح تعويضات سخية، للناجين من جحيم تازمامارت، من الأخطاء التاريخية الجسيمة، اعتبارا لكون الأموال الممنوحة، تم اغترافها من الأموال العمومية اقتطع جزء منها من مال أسر ضحايا الصخيرات وذويهم كدافعي الضرائب، علما أنها لم تتوصل سوى بتعويضات هزيلة، بالكاد غطت مصاريف العزاء والدفن، ولا وجه لمقارنتها مع ما أغدقت به الدولة والحكومة على من كانوا سببا في ترميل نساء وتيتيم أطفال، وبذلك شعرت عائلات ضحايا الصخيرات بغبن عظيم نظر تعرضها لحيف وظلم كبيرين.
فأرملة كولونيل - أحد ضحايا الصخيرات - على سبيل المثال لا الحصر، لم تتوصل إلا بمعاش لا يتجاوز 1500 درهم، أما أرملة عمر غنام، مدير المركز السينمائي المغربي، فاستفادت من معاش لم يتعد 736 درهما شهريا.
بسبب الإحساس بالغبن سبق لجمعية ضحايا الصخيرات أن طلبت من دار الافتاء بالديار المصرية فتوى في الموضوع، وفعلا أصدرت الدار فتوى، أكد فحواها أن من له حق العفو عن قاتل النفس المؤمنة بغير حق، هم أولياء المقتول الشرعيين.وقد استندت الجمعية إلى هذه الفتوى لدعم دعواها المدنية والمطالبة بالحق المدني، سيما وأن الفتوى المصرية أقرت بأن الدعوى في جرائم القتل العمد لا تسقط بالتقادم.

فرحة غالية الثمن

عندما تلقى صاحب حانة شهيرة بشارع محمد الخامس بالرباط، خبر انقلاب الصخيرات، بادر فورا، على مرأى الحاضرين، إلى تكسير صورة الملك الحسن الثاني التي كانت معلقة فوق "الكونطوار"، ثم أمر بتقديم كل أنواع الخمور حسب طلب الزبناء الحاضرين في البار لحظتئذ، مجانا، تعبيرا عن فرحته واستبشاره بما وقع، إلا أن فرحته لم تكتمل، إذ اضطر للفرار من قبضة الأمن شهورا بعد ذلك.
وعند إحداث الهيئة الأولى لتعويض ضحايا سنوات الجمر والرصاص، قدم هذا الأخير طلبا للتعويض، بخصوص ما لحقه من خسائر وعن المدة التي قال إنه قضاها بإحدى المعتقلات السرية، إلا أن طلبه قد تم رفضه من طرف الهيئة الأولى، وكذلك من طرف هيئة الإنصاف والمصالحة، معتبرة أن هذه النازلة لا تدخل في اختصاصاتها. وقد تحول "البار" المذكور حاليا إلى متجر لبيع الحلويات والمشروبات.

سقوط 60 بالمائة من جنرالات المغرب خلال ثلاثة أيام

فيما بين 10 و 13 يوليوز 1971 لقي 9 جنرالات من أصل 15 حتفهم، إما عن طريق رصاص المتمردين أو برصاص فرقة الإعدام بمعسكر مولاي إسماعيل بالرباط.
ومن بين الذين لقوا حتفهم بقصر الصخيرات، هناك الجنرال إدريس النميشي (سلاح الجو)، الذي قتله المتمردون، والجنرال الغرباوي الذي قتله اعبابو، الذي لقي هو الآخر حتفه على يد الجنرال الهواري، أما الجنرال المذبوح، فمقتله شكل حالة خاصة. 
عشية فشل الانقلاب، تم اعتقال، الجنرالات المشكوك بأمر مشاركتهم أو مساندة المتمردين، وخضعوا جميعهم لتحقيق سريع، أشرف عليه الجنرال محمد أوفقير بعد أن منحه الملك الحسن الثاني جميع الصلاحيات العسكرية والمدنية. في اليوم الثالث، بعد مجزرة قصر الصخيرات، رافق الجنرال أوفقير الجنرالات المعتقلين إلى ثكنة مولاي إسماعيل بالرباط للإشراف على تنفيذ إعدامهم دون محاكمة.
وفي ظرف أقل من ثلاثة أيام فقد المغرب 9 جنرالات (منهم من سقط على يد المتمردين ومنهم من أعدم)، أغلبهم من أصول أمازيغية، وقد تابع المغاربة مراسيم إعدامهم على شاشة التلفزة مباشرة، كما حجت جماهير غفيرة بإيعاز من السلطات المحلية لمعاينة مراسيم إعدام 4 جنرالات، هم بوكرين وحبيبي وحمو ومصطفى و4 كولونيلات والكومندار إبراهيم المنوزي، وأغلب هؤلاء لم تكن تربطهم أدنى علاقة بالهاجس السياسي، حيث سبق أن ساهموا في قمع التحركات النضالية الجماهيرية بمختلف أرجاء المملكة.

محمد لومة / أحد قدماء مناضلي الاتحاد الوطني للقوات الشعبية

محمد لومة أحد قدامى مناضلي الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، رحل إلى الشرق العربي لتلقي تكوين عسكري متقدم، سيما في تخصص "حرب العصابات"، تخرج من الكلية الحربية السورية في شتنبر 1971، ثم التحق بالعمل الفدائي يحمل معه هاجس تغيير النظام السياسي بالمغرب عن طريق القوة المسلحة.
أجرينا معه هذا الحوار للمزيد من تسليط الضوء على بعض الجوانب المعتمة من عملية الانقلاب الأولى الفاشلة، بوصفه ـ من جهة ـ كاتبا وباحثا تقصى أحداث هذه العملية واتصل بأعضائها المشاركين عن قرب، كما اطلع ـ من جهة أخرى ـ على جملة من الوثائق المتصلة بهذه النازلة.


- أين كنت يوم حدوث انقلاب 10 يوليوز 1971؟
+ مساء هذا اليوم المشؤوم كنت بأحد مرافق الكلية الحربية السورية في مدينة (حمص) حيث تلقيت دراساتي العسكرية للتخرج منها كمهندس عسكري، ففوجئت باقتحام القاعة من طرف مجموعة من الضباط السوريين الذين اتجهوا نحوي وهم يهتفون ببشاشة.. لقد كان هؤلاء القوم على مدى ثلاث سنوات قضيتها هناك، نموذجا للقسوة والصرامة تجاه كافة الطلبة الضباط، الذين سرعان ما أخرجوني إلى ساحة الكلية محمولا على الأكتاف وهم يرقصون ويغنون عاليا: 
على دا العونا.. وُعَلى دَا العُونَا... إلخ.. مقطعا من الغنوة الشامية الشهيرة..
ثم أخبروني بعد ذلك بأن الوضع السياسي في المغرب قد تغير.. لم يكن بحوزتي جهاز راديو لمعرفة التفاصيل لكنهم تطوّعوا، فأحضروا الجهاز.. مؤكدين بإلحاح:
- أُولَكْ يا زلمي.. ضَبّْ أغْرَاضَك.. شُو نَاطِر..؟ (يا رجل.. تحرك.. إجمع أغراضك الشخصية)
- وُلَكْ بُكرة بعيِّنوك وزير دفاع.. أُولك خلِّصنا بقى!! (إذا سيعينونك وزيرا للدفاع.. تحرك.. تحرك).
عند الصباح الباكر لليوم الموالي، جاءت العاصفة على لسان قائد الكلية الحربية السورية المقدم ناصر الدين محمد ناصر، الذي سرعان ما أصبح لواء ثم وزيرا للداخلية في سورية.. لقد طلبني باستعجال ليوبِّخني وبعنف شديد قائلا:
- أُولَيكْ الله لا يعطيكم عافية.. أُولك لِيشْ فَشَلْتُو؟ 
شرحت له الأمر في حدود ما أعرف:
- سيدي.. هادول مُوجَمَاعَتْنَا.. هَادُول مرتزقة حروب في الهند الصينية والكامبودج والجزائر.. إلخ. ومو وطنيين.. ولا قوميين.. وأنا ما إلي علاقة بيهم.
- صرخ في وجهي:
أُولّكْ يا أخي بدِّي أفهم.. هَادُول مُوعَسْكَر؟
أجبت بالتأكيد عسكر.. فعقَّب غاضبا كالإعصار:
- أُولَكْ.. عَسْكَر بَطَاطَا.. أولك 1400 عسكري وبيطلعوا على الفاضي.. اشرح لي كيف صار ها الشيء؟
أمرني بالانصراف لعجزي عن تقديم ما يرغب من معلومات إضافية.. ثم عدت إلى رفاقي.. منتظرا حفل التخرج الذي أقيم تحت إشراف رئيس الجمهورية الفريق حافظ الأسد لأتخلص من هذا الكابوس.. لقد كنت المغربي الوحيد آنذاك في الكلية وكان الجميع يتوجهون لي بالأسئلة والاستنكارات والشجب، كما لو أنني كنت المسؤول الأول عن هذه الحماقة...آنذاك كانت السفارة المغربية في دمشق قد أغلقت بسبب إحراقها، بعد جريمة اغتيال الشهيد المهدي بنبركة في أكتوبر 1965... فبقينا نحن هناك ـ مناضلو الاتحاد الوطني للقوات الشعبية المتواجدون آنذاك بالديار السورية ـ وحدنا المخاطبون على كل المستويات حتى سنة 1971.

- ككاتب تقصيت كثيرا بخصوص المحاولة الانقلابية الأولى واتصلت بالعديد من الأشخاص واطلعت على جملة من الوثائق، كيف كانت الوضعية في قصر الصخيرات قبل الهجوم وبعده؟
+ منذ العاشرة صباحا ليوم السبت 10 يوليوز 1971 وسيارات المدعوين تصل تباعا إلى القصر الملكي بالصخيرات، تحمل ركابا أنيقين، يرتدون حسب التعليمات (البروتوكول) ملابس صيفية خفيفة دون ربطة عنق، أغلبها، عبارة عن قمصان حريرية ذات أكمام قصيرة.
وبينما كان الكاتب والصحفي المعروف بونوا ميشان (Benoit Méchin)، الذي اعتادت مصالح التشريفات دعوته سنويا لحضور هذه المناسبة، متجها إلى قصر الصخيرات عبر الطريق الشاطئية، حيث لاحظ عددا كبيرا من الشاحنات العسكرية المليئة بالجنود تسير في نفس الاتجاه، ولعل أكثر ما استرعى انتباهه أن أغطية الشاحنات كانت مرفوعة وقد بدا كل جندي على متنها ماسكا سلاحه بحزم وهو في وضعية تأهب!
وبحكم تجربة الرجل السابقة في العراق حين سقوط النظام الملكي صيف 1958 والتي عاش فصولها أولا بأول.. بدا له أن الأجواء في الرباط خلال ذاك اليوم غير اعتيادية ورأى أن عليه الإسراع بسيارته للوصول إلى القصر ولو ربع ساعة قبل وصول الشاحنات العسكرية لإنذار الملك من مغبة ما سيقع.. وقد استطاع أن يَعُدَّ لوحده ما عَدَدُهُ (63) شاحنة تحمل مختلف أنواع الأسلحة الثقيلة والخفيفة ممتدة على حوالي كيلومتر تتحرك بسرعة (في حدود 50 كلم/ الساعة).

- هل تمكَّنَ من إخبار الحسن الثاني بذلك؟
+ رغم أنه استطاع الوصول إلى القصر، لم يتمكن من الوصول إلى الملك، الذي كان يتناول غذاءه حوالي الثانية زوالا رفقة الأمير سلطان بن عبد العزيز والحبيب بورقيبة الابن والأمير مولاي عبد الله وغيرهم من كبار الشخصيات الوطنية والدولية.. كما باءت كافة محاولاته للعثور على الجنرال حفيظ العلوي مدير التشريفات الملكية بالفشل الذريع... فأسلم أمره للقدر.. حيث سيتمكن بعد ذلك في كتاب صدر له بعنوان: (Deux Etés Africains) من رصد كافة أشواط المذبحة الفظيعة التي حدثت هناك.
ذلك اليوم عبر الانقلابيون بشاحناتهم و"جيباتهم" المسلحة شارع الحسن الثاني مخترقين العاصمة، وكان اليوم يوم سبت مما زاد من درجة اكتظاظ المرور، وصولا حتى الطريق الساحلية المؤدية إلى الصخيرات، وعلى جسر وادي "نفيفيخ" قام رجال الدرك الملكي هناك بتوقيف السيارات المدنية لإفساح الطريق أمام موكب "الانقلابيين"، وهذا ما أخر "بونوا ميشان".
كانت الموائد قد مُدَّت وعليها ما طاب من مختلف صنوف الأكل، قبل ذلك استغلت، بعض الشخصيات الفرصة لممارسة السباحة أو الكولف.. والفرق الموسيقية تشنف الأسماع، علما بأن عددا هاما من نجوم الطرب العربي كانوا قد أطّروا الحفل الموسيقي الساهر ليلة قبل ذلك، من بينهم: صباح وفريد الأطرش، محمد عبد الوهاب وعفاف راضي، عبد الحليم حافظ وغيرهم (...).
كانت السحب قد بدأت في الانقشاع عن سماء الصخيرات عندما كانت أفواج الشاحنات العسكرية المسلحة تشق طريقها من بوقنادل إلى الصخيرات، إذ كانت السماء ذلك اليوم مكسوة بغيوم كثيفة منذ الساعات الصباحية الأولى.
ولدى سماع أولى العيارات النارية، تهامس البعض ضاحكين: إنها واحدة أخرى من (مقالب) الأمير مولاي عبد الله.. فقد عوّدنا على مثل هذه المفاجآت؟! فردّ أحد السّفراء ناقما: إذا كان الأمر كذلك فهو أسوأ مقلب يمكن تنظيمه..
وعلى ذكر السفراء، أصيب سفير إحدى دول أمريكا اللاتينية لدى المغرب بالرعب الشديد.. وكان يحمل رتبة جنرال فلم يجد مكانا يختبئ فيه سوى برميل للنفايات (من النوع القديم)، لا يستطيع إيقاف طلقة نارية واحدة من المرور في الاتجاهين معا.. فتأكد فيما بعد لجميع الناس بأنه من نوع جنرالات (الكولف) و(كرة القدم).. وما شاكل!!؟
أما عميد الشرطة بودريس، الذي كان من المكلفين بالأمن الشخصي لصاحب الجلالة فقد لجأ بدوره إلى برميل آخر للنفايات بعد أن أطلق على إحدى قدميه رصاصة من مسدسه الشخصي.. وحينما حاول الناس إخراجه بعد انتهاء هبوب "العاصفة"، وجدوا عناء كبيرا بسبب ما كان عليه الرجل من بدانة مفرطة!.. وجاء من الخدم من سيشهد طواعية بأنه هو من أطلق النار على نفسه.. وذلك تفاديا للإحراج مادام قد خاف وفضل الاختباء عوض القيام بمهمته، لكن ذلك لم ينفعه، إذ سرعان ما تم استبداله بعميد آخر بعد حوالي سنة في نازلة طائرة البوينغ الملكية (727) مساء يوم 16 غشت 1972.
شخصيا، لا أريد العودة إلى ما كتبه كثير من الذين عاينوا هذه المجزرة البشعة.. فللقارئ الكريم الراغب في الإطلاع على المزيد من تفاصيلها العودة إلى مؤلفات عبد الهادي بوطالب وعبد اللطيف الفيلالي وبينوا ميشان وغيرهم. لكنني أريد لفت الأنظار إلى الحالة "الهستيرية" التي كان عليها تلاميذ مدرسة اهرمومو، الذين أُصِيبُوا بالذهول والانبهار.. وهي المشاعر التي سرعان ما تحولت إلى سعار دموي بإطلاق النار في كل اتجاه.. جعل هذه المخلوقات تتحول إلى "قطعان" حقيقية بشعة : 
- منهم من انصرف إلى أكل ما لذ وطاب من مأكولات لم يتذوقوها يوما في حياتهم.. للأسف وسط الدم والشظايا والأنين!!
- منهم من شرع في سلب المدعوين أموالهم وساعاتهم اليدوية وحليهم.. إلخ.
ومنهم من وقف مبهورا أمام زرقة البحر، وتناسق المعمار في جنبات القصر مما لم يشهد له مثيلا من قبل، سيما هؤلاء أبناء المناطق الجبلية والصحراوية ممن لم يعاينوا بحرا من قبل... لا بل إن المساعد الأول (خرخاش) أسرع إلى تجميع أنبوب بلاستيكي ضخم يستعمل في سقي ملعب الكولف بالقصر الملكي، وهو يعتزم إحضاره إلى مدرسة اهرمومو.. كما كان يفعل دائما تحت إشراف المساعد عقا.. كما لو أنه هذه المرة جاء في نزهة بسيطة ستنتهي كما بدأت وليس بصدد محاولة انقلابية، دموية، لها ما بعدها!!؟
خلال ذلك اليوم استطاع أحمد رضا كديرة الفِكاك من الفخ، حيث غادر القصر قبل الساعة الثانية زوالا رفقة الملازم الصفريوي، وقد تسبب إطلاق النار عشوائيا في تفكيك مجموعة حلقات المخطط الذي وضعه الجنرال المذبوح، وهكذا بدل أن تنقسم القوات المهاجمة إلى ثلاثة أقسام، أولها لمهاجمة القصر، وثانيها للاستيلاء على هيئة الأركان العامة، وثالثها للسيطرة على مقرات وزارة الداخلية والإذاعة والتلفزة.. بدل ذلك اختلط الحابل بالنابل، فلم يعد ضباط الكوماندوهات يسيطرون على تلامذتهم، ليغدو السعار الدموي هو سيد الموقف.
- كيف كانت نوعية تسليح "الكوماندوهات" المسلحة؟
+ لقد كان التسليح قويا بل غريبا، في ضوء قواعد التدريب المعمول بها في مدارس مماثلة، ذلك أن عددا كبيرا من التلاميذ –الضباط، كانوا لا يزالون في السنة الأولى من التكوين، يجهلون استعمال السلاح جهلا تاما.. حسب تصريحات أحد قادتهم، الملازم أحمد المرزوقي (قائد الكوماندو 12)..
وكانت هذه الأسلحة – حسب محضر الإدارة العامة للأمن الوطني المؤرخ في 17 يوليوز 1971، والذي حُرِّر بإشراف عميد الشرطة محمد المعزوزي والكابيتان عبد المومن من هيئة الأركان العامة للجيش - عبارة عن:
أ- الأسلحة الثقيلة:
1 مدفع عيار 75 ملم – عديم الارتداء.
1 مدفع هاون عيار 120 ملم.
4 مدافع هاون من عيار 81 ملم.
8 مدافع هاون عيار 60 ملم.
7 رشاشات ثقيلة عيار (12.7 ملم).
- عدد كبير من الرشاشات الثقيلة (A. A. 52) و(29/24-F.M).
ب- الأسلحة الخفيفة (حوالي 1200 بندقية ورشاشة)، منها:
- بنادق: MAS – 36
- بنادق: N.L.G
- رشاشات (MAT -49) و(5-35 D.A)..
- كمية من قاذفات الصواريخ ضد المصفحات والدبابات.
- عدد كبير من مسدسات نوع "بريطا".
- كمية كبيرة من القنابل الهجومية والدفاعية، كما تم استعمال أكثر من 40 شاحنة وناقلة وأكثر من 20 ألف لتر من الوقود وكميات كافية من الغذاء.
- هل تم فعلا استخدام هذه الأسلحة؟
+ لو استعملت هذه الأسلحة في قصر الصخيرات لأدى ذلك إلى هلاك حوالي ألف شخص، ولدُمِّّرت مرافق القصر عن آخرها بقذائف المدفعية وشظاياها.. لكن الأخطر من كل ذلك، أن المقدم امحمد عبابو، أعطى لقواته المسلحة منذ خروجها من بلدة (بوقنادل) الأمر القاطع والصارم بـ: 
1- رفع أغطية الشاحنات والسيارات العسكرية استعدادا لخوض المعركة.
2- تلقيم كافة أنواع الأسلحة، ووضعها في حالة الاستعداد، باعتبار أن القوات ستدخل "منطقة معادية" عبر المرور بمدينتي سلا والرباط!!؟
فلو حصل اشتباك بين هؤلاء وأية قوة عسكرية أخرى، بين بوقنادل والصخيرات، لكان حجم الخسائر بآلاف الضحايا، سيما وأن بعض تلاميذ مدرسة أهرمومو كانوا لا يزالون "أغرارا"، بمعنى أنهم لم يستوعبوا بعد حمل السلاح والمناورة بالنيران... وهكذا سنجدهم في الصخيرات يطلقون النار على كل ما تقع عليه أعينهم، بل لقد وصلوا إلى حد التراشق بالرصاص في ما بينهم.. كما لو أنها نوع من ألاعيب (عاشوراء)، يا سبحان الله!
لقد سجل المقدم امحمد عبابو على نفسه صبيحة يوم 10 يوليوز 1971 حماقات خطيرة لا تخطر على بال، عرَّض خلالها آلاف الأرواح للخطر الداهم دون أي ذنب اقترفوه.. لا لشيء.. فقط من أجل رغبته في توسيع مجال نفوذه وسلطته.. وهو لا يزال ابن الـ 32 سنة أتى من مدرسة عسكرية نائية، ما كان ليتصور أحد أن تنتقل بقوتها النارية الكبيرة إلى قلب عاصمة البلاد.. أقول.. كان ينوي ضَمِّ مساحة نفوذه من مدير مدرسة عسكرية إلى مساحة الوطن المغربي بكامله... بكل مؤسساته الدستورية والسياسية والنقابية والتربوية..؟!
- بعد أن فشلت المحاولة وتم القبض على زمام الأمور بعد هذه المجزرة الدامية، كيف كانت مواقف الملك الحسن الثاني؟
+ لقد حضر صديقه الملك حسين، مهرولا من عمان، مزودا بما في جعبته من نصائح صارمة.. في ضوء ما عاناه على مدى عام كامل.. بعد أحداث سبتمبر 1970 في عمان ثم اشتباكات جرش وعجلون في يوليوز 1971.. وقد حضر كالمعتاد متمنطقا بمسدسه (سميت إندونسن) وبلباسه العسكري.. ليصر أولا على إعدام كل المتورطين في أحداث الصخيرات.. ولكن الجنرال أوفقير هو من قدم الضحايا وقرر مصيرهم دون تقديمهم للمحاكمة قبل ذلك، وقد تميزت هذه المذبحة أيضا بتصفية حسابات شخصية.. فكان يشرف على إعدامهم باكيا.. كما سيفعل لاحقا صدام حسين في حق قادته من حزب البعث العربي الاشتراكي بإعدام شخص من مستوى عبد الخالق السامرائي.. كما يفعل عادة "التمساح" قبل الانقضاض على ضحيته!!؟
بعد ذلك سيسارع الحسن الثاني إلى إطلاق سراح سعيد بونعيلات وبنموسى الإبرايمي في 15 ماي 1972، ليباشر حوارا مفتوحا مع الكتلة الوطنية التي تشكلت قبل ذلك في يوليوز 1970.
... بالفعل كان المذبوح يسير في نفس الاتجاه، إذ لا خيار له، وقد سار معه الحسن الثاني مكرها، لكن بخطوات، ثقيلة وحذرة.. ستقوده إلى محاولة انقلابية ثانية، لأنه لم يسرع الخطى كما يجب، فاكتفى بالمناورة من وراء حجاب، وهو الرافض دوما لتقديم أية تنازلات من باب الضغط، فكان أن عرض نظامه السياسي بالكامل لأفدح المخاطر بعد ظهر يوم 16 غشت 1972.
- ماذا يمكنك أن تقول بخصوص طريقة القيادة المعتمدة في الانقلاب وتجانسها؟
+ أريد أن أسجل – بداية – بأن كلا الرجلين، المذبوح واعبابو، كانا يقفان الواحد منهما بعيدا عن الآخر على مسافة كبيرة ـ فكرا وتربية ونهجا وتجربة ونضجا كذلك ـ بحكم عدد هام من المعطيات التي تتصل بشخصيتيهما.
فالمذبوح، زاول قبل ذلك مهاما مدنية وعسكرية متنوعة، كان أبرزها توليه عاملا على إقليم ورزازات بعد الاستقلال مباشرة، ثم عمل وزيرا للبريد في حكومة عبد الله إبراهيم المُشكلة في دجنبر 1958.. غير أنه سرعان ما سيقدم استقالته منها، بضغط من الحسن الثاني ولي العهد آنذاك، ضمن محاولة لإسقاط الحكومة.. وكانت الذريعة المقدمة هي الاحتجاج على مضمون البلاغ الصادر عن مؤتمر الاتحاد الوطني لطلبة المغرب المنعقد في أكادير سنة 1959، والذي فهم منه أنه تضمن قذفا في حق مؤسسة الجيش الملكي.. علما بأن المذبوح لم يكن يحمل سوى رتبة قبطان وقتها، ولم يقدم أي من الجنرالات استقالتهم سوى المذبوح! بعد ذلك شغل منصب عامل على الدار البيضاء.. وقد ارتبط اسمه بالمحاولة (الانقلابية) للحركة الاتحادية في 16 يوليوز 1963، ويقال بأنه سارع إلى الإخبار بها بعد أن سبقه إلى ذلك مصطفى العلوي، ابن شيخ الإسلام محمد بلعربي العلوي، وقد جرى التعامل معه في ضوء ذلك كشاهد إبان البت في هذه القضية.
وعلى الرغم من إصدار 14 حكما بالإعدام في حق المتهمين خلال مارس 1964، ظل الفقيه البصري وعمر بنجلون – المحكوم عليهما كذلك بالإعدام في هذه القضية – يذكران المذبوح بكل خير.. وينوهان بنظافته ووطنيته.. وقد أكدا مرارا لرفاقهما في السجن بأن هذا الشخص سيقوم – يوما ما – بعمل وطني كبير!!

- ما هي الأسباب التي دفعت الجنرال المذبوح إلى التخطيط للانقلاب؟
+ إن عددا هاما من المصادر أجمعت على أن من بين أسباب قيام المذبوح بهذه المحاولة الانقلابية اكتشافه، وهو يقوم بزيارة للولايات المتحدة الأمريكية في مطلع سنة 1971 للتحضير لزيارة الحسن الثاني المقررة آنذاك في شهر أبريل، اكتشف ضمن بعض الوثائق كيف أن أشخاصا نافذين في المحيط الملكي طلبوا رشوة قيمتها (600) مليون سنيتم لتسهيل بناء فندق (شيراطون) بالدار البيضاء، كما اكتشف أن بعضهم يمارس نشاط تهريب المعادن النفيسة.. فعاد من هناك وهو مصمم على فعل شيء لوقف الفساد المستشري في أعلى هرم الدولة.
وسيكتشف الملك الحسن الثاني بعد وفاة المذبوح كيف أنه لم يكن يتصرف في الإكراميات المالية الضخمة التي كان الملك يقدمها له، إذا كان يحتفظ بها ضمن مغلفاتها الأنيقة دون أن تمتد يده إليها لمجرد معرفة المبالغ التي تتضمنها!!؟ دلالة على أن الرجل كان عصيا على قبول مثل هذه الأساليب التي درج عليها النظام لترويض رجالاته وشراء سكوتهم وتواطئهم.
وذات مرة، تلقى الملك الحسن الثاني تقريرا سريا، مضمونه أن الجنرال المذبوح يدبر انقلابا ضده.. وكان وقتها يلعب (الكولف) بملعب دار السلام بالرباط.. فما كان منه سوى أن بعث في طلب المذبوح ليقول له علنا: هل صحيح ما ينسبونه لك في هذا التقرير.. يا مذبوح؟ ثم انصرف إلى رياضته بلا مبالاة، ولم يعد إلى الحديث حول هذا الموضوع أو إثارته من جديد.
أما شخص المقدم امحمد عبابو، والذي لم تمض على ترقيته من كوماندان إلى ليوتنان كولونيل سوى أقل من أربعة أشهر فقد كان رجلا عسكريا بالكامل، لم يعرف له أي نشاط سياسي أو وطني، أو حتى مجرد اتصال بالأحزاب السياسية المغربية طوال حياته، ولكن طموحاته الشخصية كانت لا تعرف أية حدودّ.
فعدا تفوقه في تخصصه العسكري (المشاة) وذكائه وقوة شخصيته وحرصه الدائم على تطوير برامج التكوين العسكري في مدرسته بأهرمومو، وفي ملحقتها بمدينة صفرو، وهي كلها إيجابيات تسجل لصالحه بدون نزاع، لم يعرف عنه أي اهتمام آخر.

- كيف ترى الفرق بين الجنرال المذبوح والمقدم اعبابو؟
+ بكل "موضوعية" ما يجعلنا نعتقد حقا بأن الجنرال المذبوح؛ بقوة شخصيته، واتزانه، ونظافته ووطنيته، قد أخطأ اختيار الرفيق، رفيق الدرب، في شخص امحمد عبابو، والذي تميز مساره المهني بالعديد من الخروقات الفظيعة والممارسات اللا أخلاقية، والتي يمكن إيجازها في ما يلي:
أولا: للتجاوب مع طموحاته العسكرية الواسعة، سعى اعبابو، وهو لا يزال في رتبة رائد (كوماندان) إلى رفع تعداد التلاميذ في مدرسته من 300 إلى 1.000 ثم إلى 1.500 تلميذ، دون موافقة المكتب الثالث لهيئة الأركان العامة للقوات المسلحة، والذي كان له حق الإشراف على كافة مؤسسات التكوين العسكري في البلاد، بتخصصاتها الجوية والبرية والبحرية.
وللتغلب على المشاكل المادية الكثيرة المتعلقة برفع طاقة المؤسسة إلى أضعافها من حيث المرافق والتجهيزات والتغذية.. إلخ.. لجأ الرجل إلى تكوين (كوماندوهات)، خاصة من ضباط وضباط صف المؤسسة، تحت إشراف مساعده (عملاق الحرب العالمية الثانية) المساعد الأول أمهروش عقا.. فقد كانت هذه المجموعات تقوم – وهي بكامل أسلحتها وتجهيزاتها وشاحناتها - بالسطو ليلا على ممتلكات المواطنين من: مواد البناء وتجهيزاته ومعداته الغالية الثمن والمواد الغذائية والمواشي والأغنام ومواد التجهيز والسيارات والشاحنات والغلال.. إلخ.
وبالتأكيد ساعدت أعمال "البَلْطَجَة" هذه في بناء مرافق جديدة بالمدرسة، والتزود بتجهيزات حديثة من مسابح وملاعب (...)، غير أن بعضها "صُبَّ" في حساب المدير، بحيث غدا في ظروف وجيزة مالكا لفيلا فخمة بمكناس ومؤسسة فندقية ومقهى بنفس المدينة، ولضيعة فلاحية مع عدد من القطع الأرضية، ناهيك عن سيارتين... إلخ ولم تمض على ذلك بعد خمسة عشر عاما على التحاقه بالجندية!!؟
ثانيا: أصبح الرجل عند تكوين "بطانة" من الأتباع الطيعين الذين لا يعصون له أمرا، يستغل الطابع العسكري الصرف لمؤسسته، وذلك في أفق الاستعانة بهم في تنفيذ "مشاريع" مستقبلية على مقاسه الخاص!!
ثالثا: درج كذلك، رغم أنه متزوج وله أبناء، على استقبال صديقاته داخل المدرسة وعلى تنظيم الولائم الباذخة للضباط الكبار بما لم يكن يتلاءم مطلقا مع مستوى عيش وتغذية تلاميذ المؤسسة آنذاك؟!
كما أن أساليبه في "البَلْطَجَة" وصلت حد الاعتداء على المقابر، فحسب روايات بعض الضباط، أمر ذات مرة بهدم قبور اليهود في مدينة صفرو، للاستفادة من أخشابها في أعمال البناء بمدرسته!!
فأية روابط فكرية أو سياسية أو مسلكية يمكن أن تجمع بين كل من الجنرال المذبوح والمقدم امحمد اعبابو؟!
بالتأكيد، الفروقات كانت فادحة، وقد أدت بالطبع إلى مصرعهما معا في نفس اليوم وبطريقة شاذة، كما لو كانا من لصوص المواشي (كاوبوي).
أما باقي الضباط الانقلابيين ممن جرى إعدامهم يوم 13 يوليوز 1971، والذين لم يتم "إقناعهم" بالانضمام إلى الحركة الانقلابية الجديدة، سوى بعد الساعة الرابعة ظهرا من يوم 10 يوليوز 1971، فقد كانوا قبل هذه الساعات يتحدثون (بالفَمِ المليان) عن الانقلاب، وضرورة التغيير!! وكانوا يمارسون ذلك في محلات عمومية مفتوحة كبارات (كيوم تيل) و(لاكوميدي) بالرباط، وحانات مماثلة في القنيطرة ووجدة والدار البيضاء.. إلخ.. بمعرفة كافة الأجهزة الأمنية.
.. هؤلاء الانقلابيون أيضا كانوا على جانب كبير من الفساد والانحلال والتهتك، وما من شيء يجمعهم بالجنرال محمد المذبوح.
.. شخص واحد أعدم ظلما وعدوانا بسبب انتفاء أية علاقة له بهؤلاء، هو المناضل الكبير الكوماندان إبراهيم المانوزي، أحد قادة هيئة أركان جيش التحرير المغربي إبان الخمسينات، الذي وصلت قواته ذات يوم من سنة 1957 إلى منطقة (أطار) الموريتانية، بعد أن نجحت في دك معاقل الإسبان بكل من طاطا وفم الحسن وكولميم حتى شمال موريتانيا وتندوف... وكثيرا ما كان أخوه المرحوم سعيد المانوزي يطلعني على خرائط حربية تخص تلك المرحلة.
هذا الضابط الوطني الكبير، كان الجنرال محمد أوفقير يتوعده بالتصفية قبل ذلك، ولم يستطع الزج به في معتقل دار المقري إلى جانب الهاشمي الطود وعمر غاندي والفقيه البصري وبولحية الطاطي (اعتقالات يوليوز 1963)، إذ ظل يترصده حتى قامت أحداث يوليوز 1971، فبعث في طلبه للاعتقال، وكان حينذاك بلباس النوم في بيته وبين أولاده، مع أنه لم يكن له أي اتصال بهؤلاء القوم.. لسبب بسيط هو أن معظم هؤلاء الضباط، كانوا في صفوف اللفيف الأجنبي كمرتزقة منذ الحرب العالمية الثانية، وكانوا في سلوكهم وأخلاقهم على النقيض من شخصية إبراهيم المانوزي ووطنيته العالية، مما كان يثير أحقاد أوفقير تجاهه، فظل ينتظر الفرصة، لكنها جاءت غير ملائمة هذه المرة لتصفية حساباته الإجرامية.. غير أنه سرعان ما سيقتل هو أيضا (ككلب حقير) بخمس رصاصات غادرة، على حد تعبير ابنه رؤوف أوفقير، والذي وصف الحادث رسميا على أنه انتحار تلقائي، حسب بلاغ وزارة الداخلية آنذاك (17 غشت 1972).
الجنرال المذبوح إذن وضع بيضه كاملا في سلة (فاسدة) و(متهورة) فكان ما كان.. والأخطر من كل ذلك، لم يباشر اتصالاته برفاقه الاتحاديين القدامى، الذين كانوا ينتظرون منه هذه المبادرة، بل لقد كانوا يبشرون بها بين أنصارهم.
فهل الاستيلاء على مقاليد الحكم في البلاد آنذاك كان لا يستحق عناء التنسيق مع اليسار وقتئذ؟
وهل مجرد إصدار التعليمات بإطلاق سراح (170) مناضلا اتحاديا من سجن بولمهارز بمراكش وتلكؤ العامل عن تنفيذ هذه التعليمات، هل كان ذلك كافيا لحماية وتطوير ودعم الحركة الانقلابية الجديدة؟

- ماذا تقول عن الموت المبكر للجنرال المذبوح؟
+ لقد أخبرني بعض الضباط الذين شاركوا ضمن هذه التجربة المريرة، وأفلتوا من جحيم (تازمامرت)، بأن تأخر وصول تلامذة (أهرمومو) ومدربيهم إلى قصر الصخيرات في الوقت المحدد، قد وتر أعصاب المذبوح، وجعل الشكوك تراوده بخصوص احتمال قيام اعبابو بالوشاية به إلى الملك، لذلك سارع إلى إرسال شخصين لمقابلة اعبابو (وهو لا يزال في طريقه إلى القصر) لتبليغه أمر التأجيل، وضرورة متابعة طريقه نحو ابن سليمان لتنفيذ المناورة وكأن شيئا لم يكن، مؤكدا له: لقد تجاوزت التوقيت الزمني المتفق بشأنه ومن الأفضل تأجيل العملية إلى وقت آخر.
غير أن اعبابو بدوره – والذي قضى الأيام الأخيرة بلياليها في التحضير لهذه العملية – فاض به الكأس، إذ لم تمر سوى بضعة أسابيع على تأجيل العملية السابقة ليوم 14 ماي 1971، والتي كان قد حشد لها 15 كوماندو مسلح.. قد شك بدوره في أن يكون المذبوح قد وشى به، فقرر متابعة التنفيذ مهما كلف الأمر.

- ما هي التعليمات الأصلية التي أوصلها الجنرال المذبوح إلى اعبابو قبل بعث توصيات التخلي عن المحاولة؟
+ كانت تعليمات الجنرال المذبوح إلى اعبابو تنص بدقة على ما يلي:
- الحرص على الوصول إلى البوابة الغربية لقصر الصخيرات على الساعة الواحدة زوالا (أي قبل الشروع في وجبة الغذاء).
- الحرص على عدم إطلاق النار.
- الشروع بمجرد تطويق القصر في اعتقال كافة الحاضرين، مع الاستعانة بمكبرات الصوت لدعوة الجميع إلى رفع الأيدي عاليا والاستسلام بدون قيد أو شرط.
- مباشرة عملية فرز الأشخاص المعتقلين ، لتقسيمهم إلى ثلاثة مجموعات:
أ‌- المجموعة الأولى (والتي ينبغي إعدامها فور الاتفاق في عين المكان بين المذبوح واعبابو) وتتألف من: - الملك الحسن الثاني – ولي العهد – الأمير مولاي عبد الله – الجنرال الغرباوي – الكولونيل أحمد الدليمي – إدريس السلاوي مدير الديوان الملكي – الجنرال البوهالي الماجور العام للقوات المسلحة الملكية.
ب‌- المجموعة الثانية: وتتألف من جميع أعضاء الحكومة والجنرالات الحاضرين، وهؤلاء يتم سوقهم إلى هيئة الأركان العامة بالرباط لتحديد مصيرهم لاحقا.. واحدا.. واحدا.
ج - المجموعة الثالثة: وتتألف من باقي المدعوين، مغاربة وأجانب، والذين سيجري الإفراج عنهم بعد تنفيذ ما سبق ذكره.
.. وهكذا ما كاد أن يتقابل الرجلان – المذبوح واعبابو – حتى بدأ هذا الأخير يصرخ عاليا: وَافَايْن هُوّا (...) وسير خرّجُو لعندي.. وأنا راه غادي نبيع جلدي غالي.. إلخ (علامة على تدهور عنصر الثقة بين الرجلين)!
وبينما كان المذبوح، يذهب ويجيء بين مكان وجود الملك واعبابو، عسى أن يحل الإشكال بطريقة أو بأخرى، كان عبابو يزداد هياجا، وسط إطلاق الرصاص والرمانات اليدوية لمجموعاته، وكان يصيح:
- اقتلوا الخونة.. اقتلوا الخونة.. وعاش الملك!!؟
في هذه الأثناء، رفض الملك الخروج وطالب المذبوح بإحضار عبابو أمامه لاستفساره عما يطلب، كما رفض اعبابو التوجه لمقابلة الملك بدون رجاله وفيهم مساعده العملاق عقا.. وبينما كان الدكتور بنيعيش – الطبيب الخاص للملك – يقوم بإحضار رشاشة حربية للملك من غرف النوم، وكانت قد أهديت له قبل ذلك من طرف إحدى الشخصيات الأجنبية، شك اعبابو في الأمر وطالب بنيعيش بتسليم السلاح فورا، غير أن بنيعيش كان قد دخل في حوار مع الجنرال المذبوح، وهنا جاءت صلية من الرصاص (Rafale) على يد أحد التلاميذ ـ الضباط في اتجاه كل من المذبوح وبنيعيش ليسقطا معا.. أمام أنظار اعبابو والقبطان الشلاط والمساعد الأول عقا، وهنا توجه اعبابو نحو جثة المذبوح معلقا بالفرنسية: 
Oh, Mon oncle, C es dommage pour vous, général Medbouh))، ويضيف المقدم محمد عبابو في محضر استنطاقه بعد اعتقاله: (... ولقد علمت من خلال ضابط الصف الذي هرب معي بأن المذبوح مات أمام أعين الجميع، ذلك أنه لحظة قيام امحمد اعبابو بإعطاء الأمر لأحد تلاميذه بإطلاق النار على الدكتور بنيعيش، كان هذا الأخير وقتها يتناقش مع المذبوح وهو ملتصق به.. فأصيبا معا برصاصات قاتلة).
وحيث أن القائد العام للعملية الانقلابية الجنرال المذبوح قد قتل منذ الساعة الأولى للانقلاب، اتجه اعبابو باحثا عن الكولونيل الشلواطي لتكليفه بقيادة الحركة الانقلابية من خلال إقناع باقي الجنرالات بالانضمام إليها.. وهو ما سيباشره فعلا لدى التحاقه بالقيادة العامة للجيش.
غير أن طريقة التراشق بالنيران في القيادة العامة، ما بين الجنرال البوهالي والمقدم اعبابو كانت على شاكلة تراشق سراق المواشي (الكاوبوي) على الطريقة الأمريكية..، حيث أدى ذلك إلى مصرعهما في الحال ثم استسلام حوالي مائتين من تلامذة المدرسة، ليلا بالقرب من الإذاعة، وما أعقبه بعد ذلك من إطلاق النار عليهم بعد تسليم أسلحتهم، مما سيؤدي إلى مقتل حوالي 113 تلميذا فورا.. كل ذلك، أدخل الحركة الانقلابية في عنق الزجاجة كما يقولون وأغرقها في الدماء التي لا مبرر لها، إذ تكد تنتصف ليلة هذا اليوم الأغبر في تاريخ المغرب المعاصر، حتى كان باقي الانقلابيين الأحياء يبحثون عن التخلص من أسلحتهم وملابسهم العسكرية، بحثا عن ملاذ آمن بعد كل الذي شاهدوه من مناظر فظيعة، وما ينتظرهم من مصيرمظلم.
- في ضوء تجربتك السابقة، واحتكاكك المباشر بعدد من التجارب الانقلابية في المشرق العربي، كيف تنظر لأحداث 10 يوليوز 1971؟
+ في تقديري، ما حدث بالصخيرات ثم الرباط طوال يوم 10 يوليوز 1971 لا يمكن أن يرقى إلى مجرد مناورة عسكرية بسيطة من طرف أحد جيوش البلدان المتخلفة كجمهورية إفريقيا الوسطى أو النيجر على سبيل المثال.. أؤكد لكم أن ما حدث هنا لا يرقى لمجرد مناورة عسكرية بسيطة، نظرا لهمجيته، وبدائيته وتهوره وافتقاده إلى الحد الأدنى من التنظيم، بكلمة واحدة، هو عمل "رعاع" لا أقل ولا أكثر.
فكما هو معلوم، تميزت الفترة التاريخية من 1965 إلى 1975 بظهور عدد من الانقلابات العسكرية، سيما في أقطار أمريكا اللاتينية وإفريقيا، حيث الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية أكثر سوءا وتأزما.. كان ذلك هو الإطار العام لهذه الانقلابات.
لكن يجب التقرير هنا بأن بعض هذه الحركات الانقلابية كان ذا طابع تقدمي، باعتبار ما حصلت عليه من دعم جماهيري عريض آنذاك.. بينما كان بعضها الآخر – وهو الأغلب – ذا طابع (أوليغارشي) عسكري ضيق، لا يروم في الحقيقة سوى الاستيلاء على السلطة بحد ذاتها.. بمنافعها..وامتيازاتها.. ولم تكن السلطة عند (ثوارها) أداة محورية لمباشرة التحولات العامة التي كان يستدعيها بإلحاح تصحيح أوضاع هذه الأقطار.
فأن تلجأ حفنة من الأشخاص لا تتعدى أصابع اليد الواحدة إلى التآمر، في بلد كالمغرب، حيث النسيج السياسي والنقابي والتربوي أكثر متانة بالقياس مع كل الأقطار الإفريقية والعربية المجاورة، أن تلجأ هذه الحفنة إلى استخدام أكثر من (1400) جندي وضابط دون مصارحتهم مطلقا بطبيعة (المهمة) ولا أن يتم تأطيرهم جيدا لتنفيذها، ولا أن يضبطوا بينهم المهام تفاديا للالتباس والخلط وسوء النية.. إلخ.. أن يجري كل ذلك، بهذه الدرجة من التهور والشراسة والجهل والرعونة، لهو عمل في منتهى الحماقة والوحشية!
فحتى ساعة وصول القوات المهاجمة إلى بلدة (بوقنادل) كانت المهمة الرئيسية المحددة في أذهان الجميع هي المشاركة في مناورة بالذخيرة الحية في منطقة ابن سليمان، هذه المهمة التي كان من المفروض أن يقوم بها أحد أفضل ألوية القوات المسلحة، ولكن المقدم اعبابو (كما أكد لتلامذته وضباطه في الجمع العام التحضيري ليلة 9/07/ 1971) استطاع أن يقنع القيادة العليا للجيش بأن مدرسته تستطيع أن تقوم بذلك على نفس الدرجة من القوة والاقتدار والنجاح.. كما صرح بذلك وأكد.
وعندما توقفت القوات المهاجمة في بوقنادل لاستجماع القوى، وتحديد المهام على أيدي من أسماهم المقدم اعبابو بالقيادة الميدانية (المتقدمة)، تأكد في ما بعد بأن هؤلاء الضباط الذين أحضرهم إلى بوقنادل بلباس مدني، إنما أحضرهم لمعاينة ضيعة فلاحية يعتزم شراءها هناك! وأن يطلب نصيحتهم.. على أن يتجهوا بعد ذلك لحضور حفلات القصر الملكي بالصخيرات!!
خلال هذا اللقاء، سينقل المقدم اعبابو خطابه إلى السرعة القصوى في مخاطبة ضيوفه وضباط مجموعاته المسلحة، إذ لأول مرة سيستعمل عبارات جديدة ذات علاقة بالشأن السياسي والاقتصادي والاجتماعي، لم تكن لتجري على لسانه قبل ذلك على الاطلاق.
لقد "تحايل" على الجميع، ليجمعهم هنا في بوقنادل وهو يخطب فيهم خطبة أشبه بخطبة طارق بن زياد، وبين أيديهم قوة نار هائلة مع خواء فكري فظيع وارتباك وفوضى قياسيين.

- ماذا قال اعبابو في بوقنادل؟
+ قال : (.. لقد جرى اختياركم من طرف القيادة العليا للجيش للمشاركة في مهمة خطيرة، وقد وقع عليكم الاختيار لأنكم بالفعل تستحقونه، إنكم تعلمون جميعا الوضعية السياسية والاقتصادية والاجتماعية الحالية لبلادكم.. يجب إنقاذ هذه البلاد.. لقد آن الوقت لذلك.. يتوجب علينا جميعا الهجوم على قصر الصخيرات هذا اليوم ما بين الساعة 13 و 14 .. وستشارك قوات عسكرية أخرى في تنفيذ هذه المهمة!! وبالتالي نحن لسنا لوحدنا!! ولن نكون كذلك... إن هناك عناصر متمردة تهدد سلامة صاحب الجلالة ويتوجب علينا القضاء عليها بدون تردد...).
ثم أمسك بقضيب خشبي ليرسم أمام الضباط المتحلقين حوله مخططا عاما للمعركة المقبلة، محددا بدقة بنايتين رئيسيتين داخل القصر، رسم بينهما خطوطا حربية معروفة لدى العسكريين، مؤكدا أن المعركة قد بدأت وعلى الجميع الالتحاق بوحداتهم ورفع أغطية الشاحنات وتلقيم الأسلحة بمختلف عياراتها والتحرك منذ تلك اللحظة على أساس أن القوات أصبحت ضمن وسط معاد يتوجب اتخاذ أقصى الاحتياطات تجاهه، وبالتالي فإن إطلاق النار ستصبح عملية تلقائية منذ تلك اللحظة، لا تحتاج إلى تذكير أو تجديد الأوامر..
أما بخصوص الضباط (بلباس مدني) الذين أحضرهم عبابو لبوقنادل، فقد فعل ذلك تبعا لتعليمات الجنرال المدبوح، حتى يشجع أكثر تلامذة أهرمومو وضباطهم، فقد كان هؤلاء (الضيوف) يمثلون مختلف قطاعات الجيش، وبالتالي فإن إحضارهم كان بمثابة عملية ذات مغزى كبير. وهؤلاء الضباط هم المقدم القادري والكوماندان المالطي والكوماندان المنور والكوماندان بريكي والكوماندان رياني (صهر المذبوح) والكوماندان حريشي والكوماندان ميلس.
ومما تقدم، أستطيع التأكيد لكم بأن ما حدث لا يخرج عن نطاق حركة (الرعاع) التي لا يجمعها جامع، غير الرباط الحديدي الذي ربى عليه المقدم امحمد عبابو تلامذته وضباطه على حد سواء، والذي وصل حد الطاعة العمياء، فتحول الأمر خلال ساعات قلائل إلى إعصار مدمر، فتك بأرواح أكثر من مائتين وخمسين شخصا وتسبب في جرح وإصابة المئات وإلحاق أفدح الأضرار بالممتلكات الخصوصية والعمومية.
فما كنت أظن أن الجنرال محمد المذبوح ستصل به السذاجة السياسية والتهور العسكري إلى هذا الحد، ومهما حصل فقد كان المسؤول الأول والأخير عن كل هذه المأساة، وكان من قبيل المستحيلات أن تمر هذه القوة الكبرى عبر تراب عدة أقاليم، بسلاحها الكامل وذخيرتها ووقودها وتغذيتها دون موافقته الشخصية، باعتباره رئيسا للديوان العسكري لصاحب الجلالة، وسيكتب له أن يكون من أول ضحايا هذا التهور لتبقى جثته ثلاثة أيام في عز الصيف بدون دفن قبل القيام بإحراقها، ثم ليحرم من مجرد قبر كباقي المسلمين.

- وماذا عن الموقف الليبي الرسمي من هذه الأحداث؟
+ لقد جاءت هذه المحاولة الانقلابية الفاشلة لتؤكد طبيعة التوجه السياسي العام لنظام العقيد القدافي، والذي كثيرا ما أبلغ قادتنا في التنظيم السري للاتحاد الوطني للقوات الشعبية منذ انقلابه الشهير في فاتح سبتمبر 1969، بأنه لا يثق مطلقا في قدرة الحركة التقدمية المغربية على إسقاط النظام الملكي وإبداله بنظام جمهوري على الطريقة الناصرية، وكان ينصح قادتنا بالاعتماد على قوات الجيش النظامي المغربي إذا هم أرادوا الحصول على نتائج طيبة.
والغريب أن نظام العقيد القدافي حتى بعد أن صار يدعمنا، بتخصيص برنامج إذاعي دائم، كان عبد الرحمان اليوسفي يكتب افتتاحياته بانتظام، وحتى بعد أن فتح في وجوهنا معسكرات التدريب على السلاح وبعد أن أصبح يقدم لقادتنا الأموال والأسلحة، كان دائما ينصحهم بالتعاون مع الجيش المغربي في الداخل مهما كانت عقليته وتركيبته وميوله، إن هم أرادوا نتائج إيجابية!
فمنذ الساعات الأولى للمحاولة الانقلابية الفاشلة لـ 10 يوليوز 1971 انطلقت الإذاعة الليبية في بث بلاغات التهنئة والتبريك، بل لقد أجرى العقيد القدافي - حسب ما نشرته وثائق الخارجية الأمريكية والبريطانية مؤخرا، وحسب ما ذكره الملك الحسن الثاني نفسه في كتابه (ذاكرة ملك)، أجرى القدافي اتصالا هاتفيا بالرئيس الجزائري هواري بومدين طالبا السماح لقواته الجوية والبرية باستعمال الأراضي والأجواء الجزائرية للمرور إلى المغرب لدعم الانقلابيين.. وهكذا أرسل ضابط المخابرات الليبية الرائد عوض علي حمزة، إلى الجزائر على جناح السرعة، لمتابعة تنسيق هذه العمليات، غير أن الرفض القاطع للهواري بومدين أفشل مسعى إرسال حوالي (12) ألف جندي ليبي إلى المغرب لدعم الانقلاب.
ورغم إعلان فشل الانقلاب ظلت الإذاعة الليبية تواصل بث بلاغاتها الداعمة للانقلابين، بينما
المغرب الرسمي من جهته رد بتطويق مقر السفارة الليبية في الرباط ثم وضع كافة العاملين بها في الإقامة الإجبارية، واضطر في وقت لاحق إلى قطع كل الاتصالات الهاتفية عن السفارة.
وهذا ما كشفته وثائق الخارجية البريطانية المنشورة حديثا، بعد مرور أمد التقادم القانوني ضمن الملف رقم (FCO 39 - 884)، والذي تضمن الكثير من الوثائق الدامغة في هذا الاتجاه.
وسيقترح الجنرال محمد أوفقير من موقعه الجديد كوزير للدفاع، بعد إخماد فتنة الصخيرات، على الملك الحسن الثاني في أكادير، فكرة القيام بإسقاط طائرة العقيد القدافي انتقاما من تورطه في دعم الانقلابيين لصيف 1971.. وسيتذكر الملك هذا الاقتراح باستغراب شديد.. مباشرة بعد تورط الجنرال أوفقير في محاولة إسقاط طائرته مساء يوم 16 غشت 1972!!؟

الغرب يخطّط لـ “ثورة” في الجزائر!




الغرب يخطّط لـ ثورة في الجزائر!
بعد السودان·· الغرب يريد تقسيم سوريا والجزائر ومصر
استند الإعلامي الفلسطيني الشهير عبد الباري عطوان إلى ما أسماه بعض التقارير الغربية ليؤكّد أن الغرب يخطّط منذ فترة لإشعال فتيل (ثورة شعبية) في الجزائر هدفها إسقاط النّظام الحالي، مشيرا إلى أن (صمود النّظام السوري) يكون سبب تأخّر تنفيذ المخطّط الغربي الدنيء الذي يهدف من ضمن ما يهدف إليه إلى تقسيم الجزائر· وذكر عطوان الذي يشغل منصب رئيس تحرير صحيفة (القدس العربي) التي تصدر في العاصمة البريطانية لندن، في مقال كتبه تحت عنوان (العاهل الأردني والدولة العلوية) أن الهدف الأوّل الذي سطّرته القوى الغربية بعد الإطاحة بنظام الأسد في سوريا هو العمل على إشعال نيران ثورة في الجزائر·
يقول عطوان في فقرة من مقاله المذكور: (من الواضح ومن خلال بعض التقارير الغربية أن خطّة أصدقاء الشعب السوري كانت تتلخّص في الإطاحة بالنّظام والاستيلاء على ترسانته من الأسلحة النّووية قبل الانتخابات الرئاسية الأمريكية للتفرّغ لإنجاز هدفين أساسيين، الأوّل: هو إشعال ثورة شعبية في الجزائر تطيح بالنّظام الحالي والثاني البدء في تنفيذ الاتّفاق الإسرائيلي ـ الأمريكي بضرب المنشآت النّووية الإيرانية بعد تحييد العامل السوري وعزل حزب اللّه في لبنان ومحاصرته وربما تصفيته عسكريا وأمنيا وسياسيا من خلال هجوم موسّع)· ويرى الكاتب الفلسطيني أنه (ليس من قبيل الصدفة أن يقوم السيّد سعيد جليلي ممثّل السيّد علي خامنئي المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية، بزيارة خاطفة إلى كلّ من بيروت حيث التقى السيّد حسن نصر اللّه زعيم حزب اللّه، ودمشق للاجتماع بالرئيس السوري بشار الأسد، والتأكيد على أن إيران لن تسمح بكسر محور المقاومة الذي تشكّل سوريا ضلعا أساسيا فيه)· ويستشفّ القارئ لمقال عطوان ذاك ومقالات أخرى أن تأخّر حسم الصراع على السلطة في سوريا وتعقّد المشهد السوري وتداخل مصالح العديد من الدول هو ما يجعل المخطّط الغربي (للتخلاط في الجزائر) وكسر شوكة حزب اللّه مؤجّلا إلى تاريخ غير معلوم· وعن الأزمة السورية، يقول عطوان إنه (من الصعب أن يتكهّن أيّ إنسان مهما بلغ من الحكمة والخبرة بالصورة التي ستنتهي عليها الأوضاع في سوريا، لكن ما يمكن التكهّن به هو أن الصراع المسلّح الدائر حاليا على الأرض سيطول، وأن النّظام السوري لن يسقط خلال أيّام رغم الانشقاقات التي تعرّض لها وأحدثت هزّة نفسية وإعلامية صعّدت آمال الكثيرين في هذا المضمار)·
ويضيف الإعلامي الفلسطيني أن (الذين تدخّلوا في هذه الأزمة، خاصّة أولئك الذين دفعوا باتجاه عسكرة الثورة السورية ودعّموا المعارضين بالمال والسلاح لم يتدخّلوا من أجل إحلال الديمقراطية وحقوق الإنسان وتخليص الشعب من نظام ديكتاتوري دموي سلبه كرامته وحرّياته، كما أنهم لم يتوقّعوا أن تستمرّ، أي الأزمة، لأكثر من أسابيع أو أشهر معدودة، وهنا جاء الخطر الأكبر والكارثي في الحسابات)، مضيفا أن (النّظام السوري صمد طوال هذه المدّة لأن معظم الانشقاقات التي وقعت في صفوفه كانت إعلامية صرفة وفي إطار حرب نفسية ولم تحدث أثرا جدّيا يضعف النّظام ويقوّض أركانه· أسماء كبيرة·· نعم·· لكنها دون جذور حقيقية أو لاعبة أساسية في دائرة صنع القرار)· ويشير عطوان في مقال آخر إلى أنه بعد أن تمّ تقسيم السودان فإن الدور الآن على سوريا، ومن بعدها الجزائر ومصر والسعودية، ويذكر أن الدبلوماسي الجزائري المخضرم لخضر الإبراهيمي ربما (يجري توظيفه في إطار خطّة لتفتيت سوريا وتقسيمها إلى دول أو جيوب طائفية متصارعة، تمتدّ، أي الخطّة، إلى المنطقة بأسرها، وربما بلده الجزائر نفسها في مرحلة لاحقة· فهذه المهمّة القذرة يجب أن تحارب، وإذا كان لا يريد محاربتها فعليه أن يتركها للآخرين، وما أكثرهم، لأن التاريخ لم يرحم ولن يرحم)·
وذكّر رئيس تحرير صحيفة (لقدس العربي) أنه في عام 1934 وضعت سلطات الانتداب الفرنسي خطّة مماثلة لتقسيم سوريا إلى خمس دول على أسس طائفية مذهبية وعرقية، اثنتان سنيّتان في حلب ودمشق وواحدة درزية في جبل العرب (الدروز سابقا) ورابعة علوية في الساحل (طرطوس واللاّذقية) وخامسة تركمانية في لواء الأسكندرون، موضّحا أن هذه الخطّة فشلت لأن الشعب السوري رفضها وقاومها للمحافظة على الوحدة الجغرافية والديموغرافية لوطنه· ويشير عطوان إلى أنه بعد ثمانين عاما يعود هذا المخطّط ليطلّ برأسه من جديد، حيث تواجه سوريا التفتيت عمليا، فكلّ شيء في سوريا هذه الأيّام مفتت أو مقسّم، السلطة مقسّمة ومتآكلة، الوحدة الترابية مفّتتة، المعارضة مفتّتة ومقسّمة، لا شيء موحّد على الإطلاق، ويبدو أن نصائح برنارد لويس بدأت ترى النّور ومخطّطات التفتيت تتواصل، فحلب تقريبا منسلخة والشمال الكردي شبه مستقلّ ودمشق معزولة والطريق إلى اللاّذقية غير آمن وحمص متمرّدة على النّظام· وفي ليبيا برقة تستعدّ للانفصال، وبعض أهلها يريدون التحوّل إلى مشيخة خليجية أو إمارات أخرى يستمتعون بنفطها بمعزل عن طرابلس وفزان، وحال العراق معروف للجميع· ألم يقل برنارد لويس إن العراق دولة مصطنعة ركّبتها بريطانيا ويجب تقسيمها على أسس عرقية وطائفية قبل الحرب الأخيرة؟
ويتساءل عبد الباري عطوان قائلا: (لا نعرف إذا ما كانت الدول العربية الأخرى مثل مصر والمملكة العربية السعودية والجزائر والمغرب ـ نستثني السودان لأنه مفكّك واليمن في الطريق ـ على دراية بأن هذا المخطّط سيصل إليها حتما؟ فمن كان يتصوّر أن النّظام السوري الذي ساند الحرب على العراق تحت عنوان تحرير الكويت سيكافأ بهذه الطريقة؟)·
السؤال الذي نطرحه على الدول العربية التي تشارك بحماس في تحالف أصدقاء سوريا، وقبلها أصدقاء ليبيا، عما إذا كانت على اطّلاع على النّوايا الغربية للمنطقة ومستقبلها، وكيف ستكون عليه بعد عشر سنوات أو عشرين عاما على الأقل؟ هل أطلعها الغرب على كلّ التفاصيل؟

تسهيلات مذهلة بسبب “أزمة الأورو” واستلام المفاتيح في ظرف أسبوع, F2 في الجزائر أغلى من فيلا في إسبانيا



خبراء يطالبون الزبائن بعدم التسرّع ويتوقّعون انخفاضا جديدا في الأسعار ابتداء من سبتمبر

كشف الخبير الاقتصادي فارس مسدور عن عروض مغرية تقدّمها السلطات الإسبانية للجزائريين الراغبين في اقتناء عقارات بالمنطقة من خلال توفير مئات الفيلات ذات مساحة 300 م2 بمقابل 400 مليون سنتيم، مشيرا إلى أن إجراءات التكاتب للحصول على الفيلا لن تتجاوز الأسبوع كما يتلقى الجزائريون تسهيلات إدارية كبيرة لإتمام عملية البيع.
وقال المتحدّث في تصريح لـ”الفجر” إن هذه الفيلات تشهد منذ أسبوعين إقبالا كبيرا من الجزائريين بعد الانهيار الشديد الذي عرفه سعر العقار بالمنطقة، بالرغم من أن هذه البنايات غير متواجدة بالعاصمة وإنما بالمناطق المجاورة لها، في حين أكّد أن عددا كبيرا من المواطنين قاموا ببيع سكناتهم في الجزائر لاسيما شقق غرفتين وفك مدخراتهم البنكية لشراء أكثر من فيلا، داعيا الراغبين في الاقتناء إلى ضرورة عدم الاستعجال لاسيما وأن الأسعار مرشّحة للانخفاض بشكل أكبر ابتداء من سبتمبر المقبل.
واعتبر فارس مسدور الذي قال إنه تلقى عروضا مكتوبة وملفات رسمية بخصوص العقارات المعروضة للبيع لفائدة الجزائريين في إسبانيا، أن الراغبين في إعادة بيعها لن يتمكنوا من ذلك إلا في غضون 5 سنوات وهذا حتى يتسنّى لهم تحقيق مكاسب تعادل 10 مرات سعرها الحقيقي الذي تم اقتناؤها به خلال سنة 2012، ما يعني أن الأسعار ستنخفض على المدى المتوسط أو المدى البعيد، وذلك بعد أن تتمكن البلدان المتضررة من تسديد ديونها لدى الاتحاد الأوروبي.
وأضاف نفس الخبير أن الوضع قد يتضرر بشكل أكبر في حال خروج اليونان من الاتحاد الأوروبي بما قد يتسبب في انهيار جديد لأسعار العقار بهذه الدول خلال الأسابيع المقبلة، معتبرا أن سعر فيلا في إسبانيا منخفض عن سعر اقتناء شقة ذات غرفتين بالجزائر، الأمر الذي يجعل العديد من المهاجرين وحتى الجزائريين يسارعون لاغتنام الفرصة والاستثمار في مجال العقار. وحسب ما أوردته وكالة أنباء “أنسا” الإسبانية منذ أسابيع، فقد شرع عدد من رجال المال والأعمال الجزائريين، وحتى أطباء ومحامون ومهندسون يشتغلون بأوروبا، في حملة لشراء العقارات بكل من فرنسا وإسبانيا وإيطاليا بعد الأزمة التي باتت تتخبط فيها هذه البلدان، حيث أنه وبالنظر إلى الأسعار المناسبة والسرعة التي يتم بها بيع العقارات في إسبانيا، أصبح الحصول على منزل أو فيلا أو شقة في إسبانيا حلما لدى الكثير من سكان شمال إفريقيا بمن فيهم الجزائريون، كما ساهمت الأزمة الاقتصادية التي تمر بها إسبانيا في جعل هذا الحلم ممكنا، إذ تعتبر مدينة أليكانت إحدى ضحايا أزمة العقارات في إسبانيا بسبب العديد من الجزائريين الذين مكنتهم مدخراتهم من شراء منازل المدينة نقدا، مع العلم أنهم ليسوا من الأثرياء، وإنما هم طبقة متوسطة من أطباء ومهندسين عاملين بالشركات المملوكة للدولة وخاصة في قطاع الطاقة.
ويقول العاملون في قطاع العقارات في أليكانت إن معظم مشتري العقارات هم من مواطني الشاطئ الجنوبي للمتوسط وخاصة الجزائر، مع العلم أن أليكانت مدينة ساحلية تقدم عروضا متميزة للشراء، فمن لديه 100 ألف يورو يستطيع الحصول على شقة مزودة بحوض سباحة. وقد قام وكلاء العقارات في أليكانت بوضع توصيف للمشترين الجزائريين، وهو يشير إلى أنهم أشخاص مهذبون ويتسمون بالجدية وتتراوح أعمارهم بين 40 و55 عاما وليست لديهم مشكلة في الدفع نقدا ولا يلقون بالا إذا ما كانت الشقة في الطابق السادس أو السابع في مبنى لا يوجد به مصعد، فالأمر الأكثر أهمية بالنسبة لهم هو القرب من البحر لأنهم سيستغلون هذه الشقة في العطلات فقط.